ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال لأخيهِ يا كافرُ فقد باء بها أحدُهُما) ، والحديث وعيدٌ شديدٌ لمن رمى أخاه بالكفر، واتَّهمه بالخروج من الإسلام والمروقِ من الدين، ولكنَّ الحديثَ لا يشملُ المجتهد في التكفير ولا هو إليه بسبيلٍ، بل المراد به من رمى أخاه بالكفر عن هوىً أو على جهة المشاتمةِ، أمَّا المجتهد اجتهادًا شرعيًّا فهو مأمورٌ بالقول بما أدَّاهُ إليهِ اجتهادُهُ، ولذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر بن الخطَّابِ رضوانُ اللهِ عليهِ تكفيرهُ لمن كفَّره باجتهادٍ كتكفيرهِ لحاطبِ بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وحاطبٌ بدريٌّ براءٌ من الكفر بتبرئة الله ورسوله له، وكذا أسيد بن حضير حين قال لسعد بن عبادة: (ولكنَّك منافقٌ تُجادل عن المنافقينَ) ، بل أصول الشريعة وقواعدها ونصوصها متوافرةٌ على أنَّ المجتهد في موضع الاجتهاد أيًّا كان مأجورٌ غير مأزورٌ، وهو بالقول بما يصل إليه اجتهاده مأمورٌ، ولا يُستثنى من الاجتهاد وأصوله وضوابطه مسائل التكفير، لا في تأصيلِها ولا في تنزيلِها على الأعيانِ، فالحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه) ، علّق النهي بكونه أخًا له، ومعرفة كونه أخًا مما يجتهد فيه المجتهدُ، فمن علم أنَّه أخٌ له ثمَّ قال له يا كافر، فهو داخلٌ في الوعيد ولا شكَّ، ومن رأى أنَّ فلانًا ليس له بأخٍ، وقامت الدلائل والبيِّناتُ عنده على أنَّه عَدُوٌّ للهِ، ثمَّ قال له يا كافر، وهو عنده في اجتهاده كافر، ويلتزم معاملته في أحكامه معاملة الكافر، لا استنادًا إلى وهم توهَّمه، أو هوىً تعلَّقه بل استنادًا إلى النصوص التي أُمر باتّباع ما تدلُّ عليهِ، من كانت هذه حالُهُ فليس مخاطبًا بالحديث أصلًا، ولا داخلًا في الوعيدِ فيه بل لهذا موضعٌ ولهذا موضعٌ، ومسألةُ إلحاق الوعيد بالمجتهدينَ في عمومِ المسائل التي فيها وعيدٌ - ومنها مسألةُ التكفير - مسألةٌ مشهورةٌ، وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الكلام فيها، وحاصل كلامه وكلام غيره من المحققين في الباب: أنَّ من اجتهدَ في مسألةٍ هي موضع اجتهاد، وأعطى الاجتهاد حقَّه، ثمَّ أخطأ بعد ذلك فهو المستحقُّ للثَّوابِ لا العقاب، ولا يمكن أن يناله الوعيد بحالٍ، وليس الوعيد متوجّهًا إليه أصلًا حتَّى يُنظر هل في حاله مانعٌ من لحوق الوعيد أم لا؟ وهو كمن ارتكب ما يعلمه مباحًا قبل أن يبلغه النَّاسخُ لإباحته، ومن اجتهدَ في مسألةٍ ليست موضع اجتهادٍ، أو لم يعطِ الاجْتهَادَ حقَّه شرعًا وأخطأ في اجتهادِهِ، فهذا يتوجّهُ إليه الوعيد، وقد يكون في حاله مانعٌ كتأويلٍ أو شبهةٍ أو غيرها يندفع عنه بها الوعيدُ، وهذا كلُّه فيمن اجتهد فحكم بكفر من لم يثبت كفرُهُ، أمَّا من كفَّر الكافر المستبينَ كفرُهُ، الَّذي بلغ من الكفر منازل أئمَّة الكفر، فليس في مسألتِنا، وهذا آمنٌ من العقوبةِ والوعيد، كمن قال إنَّ فهدًا كافرٌ، أو كفَّر إخوانه في الكفر من مثل ياسر عرفات، وحسني مبارك، وبوشٍ وشارونَ وكرزاي وبرويز مشرّف، ممن لا يشكُّ في كفرهم إلاَّ من طمس الله على بصيرته، فمن كفَّر هؤلاء وأمثالَهم وحلف على ذلك الأيمانَ المغلَّظة فهو آمنٌ من الوعيد لظهور كفرهم وتبيّنه بل وعظمةِ كفرِهِم وطغيانهم فيه، ومجاوزتهم أكابر الكفرة والمجرمين، فمن الكفَّار إن لم يكن هؤلاء كفارًا؟ وما الطواغيتُ إن لم يكونوا طواغيت؟! [هشيم التراجعات لعبد الله الرشيد: ص 63، 64] .