فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 293

قال ابن جرير: (يقول هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلاله، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون، وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقص إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالًا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم، ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه مثابين مأجورين عليه، ولكن القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة) [جامع البيان: 16: ص 34، 35] ، أما المسلم المخطىء في اجتهاده وتأويله - وكان تأويله مستساغًا شرعًا وعقلًا ولغة - يستثنى من هذه القاعدة، وهو معذور، بل وله أجر إن كان خطؤه ناتجًا عن اجتهاد، كما في الحديث الصحيح: (إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) ، فهو عندما أخطأ لم يكن يقصد الخطأ ولا يريده، وكل ظنه أنه قد أصاب الحق الذي يرضاه الله ورسوله، لذلك كان معذورًا ومأجورًا على اجتهاده، ثم لو حملت هذه الآية القرآنية على المسلمين للزم ذلك أن نكفر أئمة المسلمين والصحابة والتابعين لهم بإحسان، لأنه - يقينًا - كل ما عدا النبي صلى الله عليه وسلم يخطئ ويصيب، يؤخذ منه ويرد عليه، فعلم من ديننا بالضرورة أنه لا يجوز حمل هذه الآيات على إطلاقها وعلى المسلمين وعلمائهم، ممن يرجون الله واليوم الآخر، لكن الذي يمكن قوله أن من كان اجتهاده أو تأويله ناتجًا عن هوى، وهو غير مستساغ شرعًا ولا عقلًا ولا لغة، كتأويلات القرامطة، والباطنية، وغلاة الصوفية، والخوارج وغيرهم من فرق الضلال والبدع الذين يظنون في بدعهم التي ابتدعوها في الدين صلاحًا وخيرًا، وأنهم بذلك مصلحون وهم في الحقيقة مفسدون ضالون، نقول: مثل هؤلاء وإن تسموا باسم الإسلام، فإن الآيات القرآنية الآنفة الذكر تشملهم وتطالهم كل بحسب فساده وضلاله وانحرافه.

4 -وكذلك من كان جهله بنذارة الرسل بسبب عناده وتكبره، فهو لا يؤمن ولا ينقاد للحق - رغم ظهوره له - كبرًا وترفعًا وأنفة: ومن كان كذلك لا يعذر بالجهل، وهو من أشد الناس كفرًا وطغيانًا!، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) [الأنعام: 111] ، فهم يجهلون لكن لعنادهم وتكبرهم في رد آيات الله البيانات لا يعذرون بالجهل، ولهم عذاب أليم، وقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم) [لقمان: 7] ، فهو وإن كان يسمعها السمع الآلي إلا أنه لاستكباره عن الحق فهو لا يسمعها الاستماع الذي يؤدي به الإيمان ومتابعة الحق، فهو مثله في ذلك كمن لم يسمعها أصلًا، قال ابن جرير: (( ولَّى مستكبرًا) ، يقول: أدبر عنها، واستكبر استكبارًا، وأعرض عن سماع الحق والإجابة عنه (كأنه لم يسمعها) ، يقول: ثقلًا، فلا يطيق من أجله سماعه) [جامع البيان: 21: ص 64] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت