فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 293

المسألة الرابعة عشرة: صفة من يُقيم الحجة:-

اعلم - رحمك الله - أن الذي يقيم الحجة هو الواحد، العالم، العدل، المعروف، ولايلزم أن يكون ذا سلطان إلا إذا كان سيترتب على إقامة الحجة استيفاء عقوبة في دار الإسلام،

فالحجة تقوم بخبر الواحد لقوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) [التوبة: 122] والطائفة تقع على الواحد فما فوق، وأمر الله بقبول خبره ونذارته.

والواحد يجب أن يكون عالمًا لأن الله أمر بقبول خبر العالم المتفقه في قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) [التوبة: 122] ، ولأن العلماء هم ورثة الأنبياء والقائمون بالحجة الرسالية بعدهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر) [رواه أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان] ، ولأن الجاهل فرضه السؤال لا التعليم، كما قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون) [النحل: 43] ،

ولكن لا يشترط فيمن يقيم الحجة أن يستوفي شروط الاجتهاد بحيث يكون متضلعًا من كافة العلوم الشرعية، وإنما يشترط أن يكون عالمًا بحكم المسألة التي يتكلم فيها، سواء كان مجتهدًا في المسألة أو ينقلها بدليلها أو ينقل الحكم بغير دليل، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (بلّغوا عني ولو آية) [رواه البخاري] .

والواحد العالم يجب أن يكون عدلًا لأن خبر الفاسق لايوثق به، قال تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) [الحجرات: 6] ، فإذا لم تقم الثقة في المخبر فلا يعني هذا إطراح قوله بالكلية وإهماله، ولكن يجب التبين بسؤال من يوثق بعلمه وعدالته، لأن الله أمر بالتثبت والتبين بالنسبة لخبر الفاسق فقال: (فتبينوا) ولم يأمر بإهمال قوله بالكلية.

والواحد العالم العدل ينبغي أن يكون معروفًا عند من يخاطبه لأنه لايثبت علمه وعدالته عند المخاطب - الذي ستقام عليه الحجة - إلا إذا كان يعرفه، وفي تعليل ذلك قال ابن حزم - رحمه الله: (وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا وجوب قبول نذارة العدل النافر للتفقه في الدين، فإذا كان الراوي عدلًا حافظًا لما تفقه فيه، أو ضابطًا له بكتابه، وجب قبول نذارته، فإن كان كثير الغلط والغفلة غير ضابط بكتابه، فلم يتفقه فيما نفر للتفقه فيه، وإذا لم يتفقه فليس ممن أمرنا بقبول نذارته، ومن جهلنا حاله فلم ندر أفاسق هو أم عدل، وأغافل هو أم حافظ أو ضابط؟ ففرض علينا التوقف عن قبول خبره حتى يصح عندنا فقهه وعدالته وضبطه أو حفظه، فيلزمنا حينئذ قبول نذارته، أو تثبت عندنا جرحته، أو قلة حفظه وضبطه، فيلزمنا اطراح خبره) [الإحكام في أصول الأحكام: 1: ص 138] ، ومما يدل على هذا الشرط، شرط المعرفة: قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم) [التوبة: 122] ، فأمر الله بقبول نذارة الطائفة المتفقهة على قومهم لكونهم منهم، بما يعني أنهم يعرفونهم ويعرفون عنهم التفقه في الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت