فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 293

المسألة الخامسة عشرة: صفة من تُقام عليه الحجة (المُخاطب بالحجة) :-

إن المكلف المخاطب بالحجة عذره ينقطع وتعتبر الحجة قائمة عليه بمجرد تمكنه من طلبها لا بحقيقة بلوغها إليه. والدليل على ذلك:

كقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون) [النحل: 43] ، وقوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله ورسوله) [الحجرات: 1] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [صححه السيوطي بمجموع طرقه] ،

وغيرها من الأدلة، ومن جهة التمكن نتكلم في مسألتين: صفة التمكن، وأحوال المتمكن من طلب العلم.

أولًا: صفة التمكن من طلب العلم:

والتمكن له شرطان:

1 -من جهة المكلّف: وهو شرط سلامة الآلات التي يستطيع أن يصل بها إلى الخطاب ويفهمه، فيشترط لفهم الخطاب سلامة السمع والعقل، ويشترط للوصول إلى الخطاب القدرة على الوصول إليه بالسفر وغيره إذا لم يكن الخطاب (العلم) متيسرًا بمحله وببلده. فإذا فقد السمع أو العقل أو عجز عن الوصول للخطاب فهو غير متمكن من العلم.

2 -ومن جهة الحجة الرسالية (أي العلم الشرعي) : فشرط التمكن أن يكون هذا العلم متيسرًا موجودًا يمكن للمكلف الوصول إليه، فإذا تحقق التمكن للمكلف فله أحوال سنذكرها في (ثانيًا) ، وإذا لم يتحقق له التمكن فهذا ممن لم تصله الحجة الرسالية في الدنيا وهو من الذين يمتحنون في عرصات القيامة، وقد لايتحقق له التمكن في وقت ثم يتحقق له بعد ذلك في الدنيا حسب تغير الأحوال.

ثانيًا: أحوال المتمكن من طلب العلم:

وهو الذي تحقق له التمكن على الصفة المذكورة في (أولًا) ، وهذا له أحوال من جهة أدائه ماوجب عليه من طلب العلم أو تقصيره في ذلك، والضابط الجامع هنا هو قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [البقرة: 286] ، أما أحواله فهى:

الحال الأول: أن يسعى في طلب العلم الواجب ويدركه:

ومن حق السعي أنه يجب عليه إذا لم يجد أحدًا يفتيه ببلده أن يرتحل إلى حيث يجد من يفتيه، فإذا وُجد من يقيم عليه الحجة فهذا قد أدى واجبه وأدرك الحق.

الحال الثانية: ألا يسعى في طلب العلم الواجب:

فهذا مقصّر، مفرّط، مُعرض عن الحق، غير معذور بجهله، وهو آثم في الدنيا والآخرة، وفي هذا الصنف قال ابن القيم - رحمه الله: (فكل من تمكّن من معرفة ماأمر الله به ونهى عنه، فقصَّر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة) [مدارج السالكين: 1: ص 239] ، وعلى هذا القول سائر أهل العلم.

الحال الثالثة: أن يسعى في طلب العلم الواجب ويدرك بعضه:

ومن حق السعي أن يجتهد فيه، وأنه إذا بلغه خبر من غير ثقة أن يتثبت فيه، وأنه إذا اختلفت لديه الأقوال في المسألة فإنه يجب عليه الترجيح بسؤال الأعلم الأوثق، فإذا سعي حق السعي ولم يجد من يقيم عليه الحجة فله حالان:

1 -سعي ولم يجد إلا من يدلّه على الباطل: فهذا قال فيه ابن حزم (وأما من بلغ إليه خبر غير صحيح عن النبيص وصححه له متأول أو جاهل أو فاسق لم يعلم هو بفسقه. فهذا هو مبلغ اجتهاد هذا الإنسان ولم يكلفه الله تعالى أكثر مافي وسعه ولا مالم يبلغه، فهو إن عمل بما بلغه من ذلك الباطل فمعذور بجهله، لا إثم عليه. لأنه لم يتجانف لإثم والأعمال بالنيات، فهو مجتهد مأجور مرة في قصده بنيته إلى الخير) (الإحكام: 1: ص 65]، والذي يظهر أن هذا المكلف إذا لم يدرك الحق فيما يتعلق بالتوحيد فحكمه حكم غير المتمكن الذي لم تبلغه حجة في الدنيا ويختبر يوم القيامة، أما من لم يدرك الحق في بعض الأحكام - غير التوحيد - مع سعيه، فهذا لا إثم عليه باتفاق العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت