فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 293

تضمنت أقوال العلماء ذِكر سببين للحكم على الدار:

وعند التحقيق فإن السببين يرجعان إلى شيء واحد هو مناط الحكم على الدار، ولا تناقض بين السببين: لأن الغلبة والأحكام قرينان، فلا يكون المتغلِّب متغلبًا إلا إذا كان هو صاحب الأمر والنهي، فالأمر والنهي هما من أهم مظاهر الغلبة والسلطان، فالسلطان المسلم يطبق أحكام الإسلام وإلا لما كان مسلمًا، والسلطان الكافر يطبق أحكام الكفر. وبهذا يكون مناط الحكم على الدار هو نوع الأحكام المطبقة فيها والتي تدل على من له الغلبة فيها ويلاحظ أن كون المناط: نوع الأحكام المطبقة في الدار، هو وصفٌ مناسب للتعليل، وذلك لأن الأحكام - لا الحاكم - هي التي تصبغ الدار بصبغتها، فأحكام الإسلام بما تأمر به وتنهى عنه تصبغ الدار بصبغة إسلامية، وأحكام الكفر بما تأمر به وتبيحه وبما تنهى عنه تصبغ الدار بصبغة الكفر من إباحة الردة والإلحاد وسب الدين والطعن فيه بلا رادع أو عقوبة، ومن إباحة الربا والزنا والخمر والتبرج والاختلاط، ومن عدم مؤاخذة تارك الصلاة والصيام والزكاة، ومن معاقبة من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر خاصة بيده، وشيوع هذا كله وغيره هو من صفات دار الكفر.

فالأحكام هي التي تصبغ الدار بصبغتها لا الحاكم الذي لو أراد شيئًا من ذلك فإنه لا يتمكن منه إلا بالأمر والنهي، وهذه هي الأحكام فهي إما أمر أو نهي أو إباحة، والحاكم ينفذ ذلك بشوكته.

ومن الأدلة على أن مناط الحكم على الدار: نوع الأحكام المعبرة عن أصحاب الغلبة فيها: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) [النساء: 97] فكون المسلم المخاطب بالهجرة مستضعفًا في أرضٍ ما يدل على أن الغلبة فيها للكفار، ومثله قوله تعالى: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) [الأعراف: 88] ، فالإضافة في كلمة (قريتنا) هي إضافة نسبة وتملك، أي قرية الكافرين المستكبرين، ويدل على تملكهم لها وغلبتهم عليها تهديدهم المؤمنين بالإخراج منها بما يعني أنهم أصحاب الأمر والنهي فيها، فدلَّ هذا على أن دار الكفر ما كانت الغلبة فيها للكفار وما كان الأمر والنهي فيها للكفار والأمر والنهي هما الأحكام وهما مظهر الغلبة والسلطان ومثل هذه الآية قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) [إبراهيم: 13] ويقال فيها ما قيل في الآية السابقة فدل مجموع هذه الآيات على أن دار الكفر هي ما كانت الغلبة والأحكام فيها للكفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت