فهرس الكتاب
السادس: أنَّ حَاطبًا رضي الله عنه مَع أنَّه نَصَرَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بنَفْسِهِ ومَالِهِ وخَرجَ مَعَه غَازيًَا في غَزواتِهِ وشَهِدَ مَع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم المَشاهِدَ كُلَّها، وكانَ ِممَّنْ شَهِدَ بَدرًَا والحُديبَّية، قدْ قالَ فيهِ عمر رضي الله عنه: (إنَّّه قدْ خانَ اللهَ ورسولَهَ والمُؤمنينَ) ، وَعدَّ فِعْلَه ذاكَ مُظاهرةً للمُشركينَ وتَجَسُسًَا على المُسلمينَ، مَع أنَّه مَا فَعَلَ ذلكَ إلاَّ لظنِّه أنَّ اللهَ نَاصِرُ رسولِه، وأنَّ إخبارَه لقريشٍ بتَجهِيز رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم لا يَضرُّ اللهَ ولا رسولَه كَمَا رَوَى قِصَتَه إبن مَردَويه مِنْ حديثِ إبن عبَّاسٍ فَذَكَرَ مَعنى حديثِ عليٍّ وفيهِ فقالَ: (يا حاطبُ مَا دعاكَ إلى مَا صََنعتَ؟ فقالَ: يا رسولَ اللهِ كانَ أهلِِي فيهِمِ فكَتَبتُ كِتابًا لا يَضُرُّ اللهََ ولا رسولَه) ، ورَوى ابن شَاهين والبَارُودي والطَّبَرانِيُ وسَمَويه مِن طَريقِ الزُهرِيِّ عن عُروة عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بَلتَعة قالَ: (وحاطبُ رجلٌ مِنْ أهلِ اليَمنِ وكانَ حَليفًَا للزُّبيرِ وكانَ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقدْ شَهدَ بدرًا وكانَ بَنُوهُ وإخوَتُهُ بمكَّة فكَتَبَ حاطبُ مِنَ المدينةِ إلى كِبارِ قريشٍ يَنصَحُ لهم فيهِ ... ) ، فَذَكَرَ الحديثَ نَحَوَ حديثِ عليٍّ وفي آخرِهِ فقال َحاطبُ: (واللهِ مَا ارتَبتُ في اللهِ مُنذُ أسلَمتُ ولكنَّني كُنتُ إمرًا غريبًَا وليْ بمكَّة بَنونَ إخوةً ... الحديث) ، وزادَ في آخرِهِ: (فأنزَلَ اللهُ تعالى:(يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوي وعَدُوكم أولياءَ ... ) [الممتحنة: 1 - 4] ، ورَواهُ ابن مَردَويه مِن حديثِ أنسٍ وفيه نُزولُ الآيةِ، ورَواهُ ابن شَاهين مِن حديثِ ابن عمر بإسنادٍ قويٍّ [الإصابة في تمييز الصحابة: 1: ص 300] ، فكيفَ بمَنْ يَتولَََّى الكُفَّارَ ويُعادي المُؤمنينَ ويُناصرُ الطَّواغيتَ ويُعينَهم على حربِ المُجاهدينَ، وَيَستعمَله الطَّاغوتُ لمُظاهرةِ الأمريَكانَ على المُسلمينَ وبالأخصِّ على الحركاتِ الإسلاميَّةِ، فمَنْ كانَ حَالُه هكذا فَهوَ أولَى بإنزالِ حُكمِ الِردَّةِ والنِفاقِ عليهِ.
السابع: إنَّ لفظَ الكتابِ الذي بَعثَه حاطبُ لنفرٍ مِنَ المُشركينَ لمْ يَكنْ مِنْ المُظاهرةِ في شيءٍ فقدْ ذَكَرَ بعضُ أهلِ المَغازي وَهَوَ في"تَفسِير يَحي بن سلام"أنَّ لفظَ الكتابِ: (أمَّا بعدُ يا مَعشرَ قريشٍ فإنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَاءَكم بِجيشٍ كاللَّيل، يَسيرُ كالسَّيلِ، فواللهِ لو جَاَءكم وَحدَه لنَصَرَهُ اللهُ وأنجَزَ لَه وعْدَه، فانظُروا لأنفُسِكم والسَّلام) ، كَذا حَكاهُ السُهيليِّ [فتح الباري: 7: ص 521] ، فمَضمُونُ ِرسالةِ حاطبٍ لا يُفهَمُ مِنه المُظاهرةُ للمُشركينَ على المُسلمينَ، وليسَ فيهِ مَا يَدُلُّ على أنَّه نَاصَرَ الكُفَّارَ وعاونَهم على المُسلمينَ، غايَتُه أنْ يكونَ مَعصيةً، كَفَّرَها اللهُ لَه بِسببِ شُهودِهِ بَدرًا.