فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 293

الثامن: إنَّّ حَاطِبًا لمْ يَفعلْ ذلكَ نِفاقًا ولا تَجَسُسًَا للكُفَّارِ على المُسلمينَ، بَلْ إنَّما فَعَلَه مُصانَعةً ليكونَ لَه عندَهُم يَدٌ، وهذا الفِعلُ وإنْ كانَ بِحَدِّ ذَاتِه يُعَدُّ كُفرًَا في الإسلامِ، إلاَّ أنَّ حَاطِبًا ظَنَّ أنَّه ليسَ مِنْ جِنْسِ الكُفر، فَفي ِروايةِ ابن إسحاق أنَّه قالَ: (وكانَ لِي بَينَ أظهُرهِم وَلَدٌ وَأهلٌ فَصَانَعتُهُم عليه ... ورَوى الواقديُّ بِسنَدٍ لَهُ مُرسلٌ أنَّ حَاطِبًَا كَتَبَ إلى سُهيلِ إبن عَمْرو وصَفوان بن أميّة وعِكرمة؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أذَّنَ في النَّاسِ بالغزو ولا أرَاهُ يُريدُ غَيرَكُم، وقدْ أحبَبتُ أنْ يكونَ لِيَ عِندَكُم يَدّ) [فتح الباري: 7: ص 521] ، ولذلكَ قََبِِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُذرَهُ، مِمَّا يَدُلُّ على أنَّه كانَ صَادِقًا في عُذْرِهِ الذي اعتَذَرَ به.

••عنْ جَريرِ بن عبد الله البَجليُّ رضي الله عنه قالَ: (أتيتُ النَّبيَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَهُوَ يُبَايَعُ فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ أُبسُطْ يَدكَ أُبايِعكَ واشتَرِطْ عَلَيَّ فأنتَ أعلم، قالَ: أُبايعُكَ على أنْ تَعبدَ اللهَ، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ، وتُناصِحَ المُسلمينَ، وتُفَارقَ المُشركينَ) [رواه أحمد، والنسائي، والبيهقي، وصحَّحَه الألبَانِي في السَّلسلة الصَّحيحَة (2: برقم 636: ص 230) ] ، فأفادَ الحديثُ وجوبَ مُفارقةِ المُشركينَ، وأنَّ ذلكَ مِمَّا اشتَرَطَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليهم عندَ مُبايَعتِهِم لَه، ومُظاهرةُ المُشركينَ ومُعاونتُهُم بأيِّ نوعٍ مِنْ أنواعِ المُعاونةِ لا يُحَقِّق ذلكَ الشَّرط.

••وعن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جَدِّه قالَ: (قُلتُ؛ يا نَبيَ اللهِ مَا أتَيتُكَ حتَّى حَلَفتُ أكثرَ مِنْ عَددِهِنِّ - لأصَابِع يَديِهِ - ألاَّ آتِيكَ، ولا آتيَ دِينَكْ، وإنِّي كُنتُ إمرًا لا أعْقْلُ شَيئًَا إلاَّ مَا علَّمَني اللهُ ورسولُهُ، وإنِّي أسألُكَ بِوجهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا بَعَثَكَ ربُكَ إلينَا؟ قالَ: بالإسلامِ، قالَ: قُلتُ: وَمَا آياتُ الإسلامِ؟ قالَ: أنْ تقولَ؛ أسْلمتُ وَجهَيَ إلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وتَخلَّيتَ، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ، كُلُّ مُسلمٍ على مُسلمٍ مُحَرَّم، أخوان نصيران، لا يَقبَلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشركٍ بعدَ مَا أسلَمَ عَملًا أو يُفارقُ المُشركينَ إلى المُسلمينَ) [رواه أحمد، والنسائي، والحاكم، وصحَّحَه ووافَقَه الذَّهبيُ وحَسَّنه الألبَانيُ في السلسلة الصَّحيحَة (1: 369: 99) ] ، ومَحلُ الإستدلالِ بِهِ قولُهُ: (لا يَقبلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشركٍ بَعدَ مَا أسلمَ عَملًا أو يُفارقُ المُشركينَ) ، فَدَلَّ على أنَّ مَنْ لمْ يُفارقْ المُشركينَ لا يََقبَلُ اللهُ مِنه عَملًا بَعدَ إسلامه، وأنَّ الشَّرطَ في ِصحَّة إيمانِهِ هُوَ مُفارقةُ المُشركينَ إلى المُسلمينَ، ومُظاهرةُ الكُفَّارِ ومُعاونتُهُم ومُناصرتُهُم بالقولِ والفعلِ لا يُحقِّقُ ذلكَ الأصلَ العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت