فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 293

والذي ننبه عليه هنا أن الديار قسمان لا ثلاثة، وأن الدار المركبة يمكن أن تكون وصفًا لحال السكان لا حكمًا، ومعاملة كل إنسان بما يستحقه لا خلاف فيه والمسلم معصوم الدم والمال أينما كان، ولكن هذه المعاملة النوعية لا تجعل الدار قسمًا ثالثًا. وابن تيمية نفسه نقل أن مصر كانت دار ردّة زمن استيلاء العُبَيْديين (المُسمَّون بالفاطميين) عليها، بسبب كونهم زنادقة مرتدين [مجموع الفتاوى: 13: ص 178] ، مع أن أحكام الشريعة كانت جارية بمصر مدة ملكهم التي امتدت مائتين ونيف وثمانين سنة [البداية والنهاية: 12: ص 267] ، ومع أن جمهور أهل مصر هم المسلمون، ولكن الدار صارت دار ردّة بسبب استيلاء العبيديين التام عليها ولم يؤثر في هذا إذنهم بالحكم بالشريعة.

قال ابن تيمية - رحمه الله: (وتكرر دخول العسكر إليها مع صلاح الدين الذي فتح مصر، فأزال عنها دعوة العبيديين من القرامطة الباطنية وأظهر فيها شرائع الإسلام، حتى سكنها من حينئذ من أظهر بها دين الإسلام) - إلى قوله - (ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان، حتى قالت فيها العلماء: إنها كانت دار ردّة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب) [مجموع الفتاوى: 35: ص 138، 139] ، وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله: (ولو ذهبنا نُعَدِّد من كفَّره العلماء مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام، ولكن من آخر ما جرى قصة بني عبيد ملوك مصر وطائفتهم وهم يدّعون أنهم من أهل البيت، ويصلون الجمعة والجماعة ونصبوا القضاة والمفتين، أجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم) [الرسائل الشخصيةك ص 220] ، وقوله (ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم) أي: ولو كان أهل مصر مبغضين لحكامهم العبيديين فهذا لا يمنع من أن بلادهم بلاد حرب، فإذا كانت مصر دار ردّة وحرب زمن العبيديين مع نصبهم لقضاة الشريعة، فإن صورة ماردين المذكورة أسوأ من هذا إذ لم تجر عليها أحكام الإسلام، فهي دار حرب كما أسلفت إذا كانت على الصفة المتحصلة من الفتوى ولا يوجد في الديار ما يُسمى بالدار المركبة - إلا من جهة الوصف لا الحكم - والديار قسمان لا ثلاثة كما سبق بيانه، وكما نقله علماء نجد عن ابن مفلح - وهو من تلاميذ ابن تيمية - أن الديار إما دار إسلام أو دار كفر ولا دار غيرهما، هذا والله تعالى أعلم) [الجامع في طلب العلم الشريف: 2: ص 649، 651] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت