فهرس الكتاب
حين بُعثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدع بدعوته ووقفت قريشٌ في وجهه انقسم الخلق إلى مؤمن به وكافر وكان لابد من أرض يقيم فيها دين الله فعرض نفسه على القبائل حتى تمَّ له الأمر مع الأنصار في المدينة النبوية - دار الهجرة - وفرض الله تعالى على المؤمنين الهجرة من بين الكافرين فكانت نواة دولة الإسلام حين اجتمع المهاجرون والأنصار وبقي فرض الهجرة إلى المدينة قائمًا حتى فَتْحِ مكة، ثم بقيت فريضة الهجرة من بين ظهراني الكفار فعن معاوية - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) [رواه أحمد وأبو داود] ، وعن عبد اللّه بن السعدي أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) [رواه أحمد والنسائي] ، وفي هذا دليل على أن الهجرة باقية ما بقيت المقاتلة للكفار وسنأتي على ذلك - بإذن الله -، فتمايزت بذلك الدور وأصبح لكل دارٍ أحكامها التي تخصها بالنسبة لنا نحن المسلمين وقد ذكر ذلك فقهاء المسلمين تحت أبواب عدة وبمسميات مختلفة فذكرها بعضهم تحت أبواب الجهاد وبعضهم تحت أبواب السِّير والمغازي وبعضهم تحت أبواب السياسة الشرعية والخراج وبعضهم أفرد لها كتبًا مستقلة والبعض الآخر تحدَّث عن قسمٍ منها في كتب منفردة .. وهكذا .. فتجد مثلًا الإمام محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله 0 - يعرض في كتابه (السيِّر) أبواب السيِّر في دار الحرب ويعقد كذلك أبوابًا عن أحكام المرتدين والبغاة والخوارج، وهذا يدل على أن هناك أحكامًا تخصُّ علاقات دار الإسلام بدار الكفر وهناك أحكامًا داخل دار الإسلام تنتظم علاقة المسلمين - دولة الإسلام - بأهل الذمة، والمرتدين، والبغاة، والخوارج، وقطَّاع الطرق .. الخ.
قال السرخسي - رحمه الله: (اعلم أن السير جمع سيرة وبه سمي هذا الكتاب لأنه بين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة ومع المرتدين الذين هم أخبث الكفار بالإنكار بعد الإقرار ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين وإن كانوا جاهلين وفي التأويل مبطلين .. ) [المبسوط: 10: ص 2] ، وقال التهانوي - رحمه الله: (السيرة: هي اسم من السيِّر ثم نقلت إلى الطريقة، ثم غلب في لسان الشرع على طريقة المسلمين في المعاملة مع الكافرين والباغين وغيرهما من المستأمنين والمرتدين وأهل الذمة .. وقد يُراد بها السُّنّة أو الطريقة في المعاملات، يُقال: سار أبو بكرٍ رضي الله عنه بسيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام وسُمّيت المغازي سيرًا، لأن أول أمورها السير إلى الغزو وأن المقصود بها في قولنا كتاب السِّير: سير الإمام ومعاملاته مع الغزاة والأنصار والكفار) [كشَّاف اصطلاحات الفنون: 3: ص 170، 171] ، وقد عَرضَوا في ذلك حياةَ النبي عليه الصلاة والسلام وجهادهَ وحروبَه فتجدُ مثلًا هذه الألفاظ: غزوات، سرايا، بعوث، سفراء، دار الإسلام، دار الكفر، دار الهجرة، الصلح، العهد، أهل العهد، أهل الذمة، أهل الأمان، الجزية، الهجرة، الوفود، الرسائل إلى الملوك، الحرب، السِّلم، الردة، الأسرى، الغنائم، الأنفال، .. الخ.