فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 293

••الدليل الرابع: قال عز وجل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29] ، قال القرطبي - رحمه الله: (فقال الله عز وجل:(قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ .. ) الآية فأمر سبحانه وتعالى بمقاتلة جميع الكفار لإصفاقهم على هذا الوصف وخص أهل الكتاب بالذكر إكرامًا لكتابهم ولكونهم عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل وخصوصًا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وملته وأمته فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة فنبه على محلهم ثم جعل للقتال غاية وهي إعطاء الجزية بدلا من القتل وهو الصحيح قال ابن العربي: سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها فقال: قاتلوا وذلك أمر بالعقوبة، ثم قال: الذين لا يؤمنون وذلك بيان للذنب وقوله ولا باليوم الآخر تأكيد للذنب في جانب الإعتقاد، ثم قال: ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله زيادة للذنب في مخالفة الأعمال، ثم قال: ولا يدينون دين الحق إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام، ثم قال: من الذين أوتوا الكتاب تأكيد للحجة لأنهم كانوا يجحدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، ثم قال: حتى يعطوا الجزية عن يد فبين الغاية التي تمتد وعين البدل الذي ترتفع به) [الجامع لأحكام القرآن: 8: ص 109، 110] ، وقال ابن تيمية - رحمه الله: (نسخت هذه الآية ما كان قبلها وأمر الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية صغارًا ونقمةً لهم وكذلك ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن النبي لم يكن يقاتل من كف عن قتاله لقوله تعالى:(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) إلى أن نزلت براءة وجملة ذلك أنه لما نزلت براءة أمر أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال وثنيهم وكتابيهم سواء كفوا عنه أو لم يكفوا وأن ينبذ إليهم تلك العهود المطلقة التي كانت بينه وبينهم وقيل له فيها: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) بعد أن كان قد قيل له: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) ولهذا قال زيد بن أسلم نسخت هذه الآية ما كان قبلها فأما قبل براءة وقبل بدر فقد كان مأمورًا بالصبر على أذاهم والعفو عنهم وأما بعد بدر وقبل براءة فقد كان يقاتل من يؤذيه ويمسك عمن سالمه كما فعل بابن الأشرف وغيره ممن كان يؤذيه فبدر كانت أساس عز الدين وفتح مكة كانت كمال عز الدين فكانوا قبل بدر يسمعون الأذى الظاهر ويؤمرون بالصبر عليه وبعد بدر يؤذون في السر من جهة المنافقين وغيرهم فيؤمرون بالصبر عليه وفي تبوك أمروا بالإغلاظ للكفار والمنافقين فلم يتمكن بعدها كافر ولا منافق من أذاهم في مجلس خاص ولا عام بل مات بغيظه لعلمه بأنه يقتل إذا تكلم وقد كان بعد بدر لليهود استطالة وأذى للمسلمين إلى أن قتل كعب بن الأشرف) [الصارم المسلول: 2: ص 210، 211] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت