المسألة السادسة عشرة: توضيح وبيان حول آية (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك و ما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا) [النساء: 60] :-
أولًا: سبب النزول:-
في سبب نزولها أربعة أقوال:
الأول: أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إِلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي، فلمّا خرجا، قال المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إِلَيه، فقصّا عليه القصّة، فقال: رويدًا حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج، فضرب به المنافق، حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس.
والثاني: أن أبا بردة الأسلمي كان كاهنًا يقضي بين اليهود، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة، عن ابن عباس.
والثالث: أن يهوديًا ومنافقًا كانت بينهما خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي، لأنه لا يأخذ الرشوة، ودعا المنافق إلى حكامهم، لأنهم يأخذُون الرشوة، فلما اختلفا، اجتمعا أن يحكما كاهنًا، فنزلت هذه الآية، هذا قول الشعبي.
والرابع: أن رجلًا من بني النضير قتل رجلًا من بني قريظة، فاختصموا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن، فقال المسلمون من الفريقين: بل إِلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون، فانطلقوا إِلى الكاهن. فنزلت هذه الآية. هذا قول السدي.
ثانيًا: طائفة من أقوال العلماء في الآية:-
يقول ابن تيمية عن هذه الآيات: (ذم الله عز وجل المدعين الإيمان بالكتب كلها وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة، ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من دون الله، كما يصيب ذلك كثيرا ممن يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم، أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك [يقصد التتر] وغيرهم، وإذا قيل لهم تعالوا إلى كتاب الله وسنة رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضا، وإذا أصابتهم مصيبة في عقولهم ودينهم ودنياهم بالشبهات والشهوات، أو في نفوسهم وأموالهم عقوبة على نفاقهم، قالوا إنما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق، ونوفق بين الدلائل الشرعية والقواطع العقلية التي هي في الحقيقة ظنون وشبهات) [الفتاوى 12/ 339 - 340، بتصرف يسير] .
ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: فإنّ قوله عز وجل: (يَزْعُمون) تكذيب لهم فيما ادّعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبدٍ أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحدّ.
فكلُّ مَن حَكَمَ بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حاكَمَ إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حَكَمَ بالطاغوت وحاكم إليه.
وذلك أنّه مِن حقِّ كل أحدٍ أن يكون حاكمًا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقط لا بخلافه، كما أنّ من حقِّ كل أحدٍ أن يُحاكِمَ إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم .. فمَن حَكَمَ بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى، وجاوز حدّه، حُكْمًا أو تحكيما، فصار بذلك طاغوتا لتجاوزه حده.
وتأمل قوله عز وجل: (وقدْ أُمِروا أنْ يكفُروا به) تعرف منه معاندة القانونيين، وإرادتهم خلاف مراد الله منهم حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعًا والذي تعبّدوا به هو: الكفر بالطاغوت لا تحكيمه .. (فبدَّل الذينَ ظَلموا قولاَ غيرَ الذي قيلَ لهُم) .