فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 293

لا يخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أن يعتقد أن الحكم بالدستور لا بأس به، وأنه مباحٌ، أو جائزٌ، فهذا - بلا شك - كافر.

الحالة الثانية: أن يعتقد أن التشريع والحكم بالدساتير كفرٌ دون كفرٍ، أو أنه معصية، وهذه الحالة هي المحك ومثار الجدل، ولكن تحتاج إلى شيء من التأمل، و النظر، فنقول لاشك من أن صاحب الحالة الثانية يعتقد حرمة التحاكم إلى الدستور لكونه خلاف حكم الله، وأنه من تشريع البشر ومن أحكام الجاهلية، وكل حكم خالف حكم الله والرسول فهو حكم طاغوتي، ولا شك أن القسم على احترام المحرمات المعلومة بالدين من الضرورة أو الجلية الواضحة وتطبيقها على الناس وإلزامهم بها يعتبر استحلالًا، وكفرًا باطنًا، و ظاهرًا، واستهزاءً بالله، وآياته، ورسوله، ولا ينفع المُقْسِمُ كونه لا يراها كفرًا، أو جائزًا، أو حسنًا كما هو قولهم: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا) [الكهف: 5] ، ولا يخفى أن الذين قالوا: (ما رأينا مثل قراءنا ... قولتهم الفاجرة) ، كانوا يعتقدون حرمة قولهم، ولكن لا يظنون أنه كفرٌ يكفرون به، فنزل القرآن بتجريمهم، وتسجيله الكفر عليهم، إذ لا أحد يقصد الكفر إلا ما شاء الله وهذه هي مسألة القصد، والقسم على احترام الطاغوت هي أول درجات الدخول في البرلمان، ومن ثم يُلقب بأنه مشرع؛ فيقولون قال المشرع فلان، والرضى بهذا كفر واضح، وضلال فاضح، ثم ينزل درجةً درجة، ولاشك أن هذا لابد أن يكون قد سمع بعض من ينكر عليه أن فعله هذا كفر أكبر، فلذا قال حتى يستحل الحاكم، وحتى يفضله على حكم الله، أو يراه جائزًا، فلذا احتج بهذه الحجج على مخالفيه بل لابد أن يكون بلغه ولو بعض ذلك فقد أنكر العلماء عليهم والدعاة قديمًا وحديثًا، وألفت في ذلك الرسائل والكتب حتى ادّعوا هذه الدعوة الكاذبة الخاطئة، وسعوا في جلب الفتاوى من هنا وهناك حتى يجدون مخرجًا، أو يتخذون للباطل مسلكًا يبيح لهم ذلك، والقسم على الدستور مع اعتقاد بطلانه، و تحريمه إيمانٌ به، لقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ... ) [النساء: 51] ، (وقد أجمع العلماء على أن من قال أو فعل كفرًا يكفر بالحال لانشراح صدره بذلك ما لم يكن مكرهًا، لأن الرضا بالكفر كفر، والعزم على الكفر كفرٌ بالحال، وكذا لو تردد هل يكفر كفرَ بالحال، وكذا تعليق الكفر بأمرٍ مستقبل كفرٌ بالحال) [كفاية الأخيار: ص 22] ، ولقوله تعالى: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوَّل لهم و أملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم) [محمد: 25، 26] ، فإذا كان من وعد بالكفر وإن لم يفعله يكفر، وإن عقد النية على المخالفة في الباطن فكيف بمن فعله، ولقوله تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) [النساء: 60] ، والإرادة هي عمل القلب وعزمه على الفعل، والإرادة الجازمة تستلزم وجود المقدور عليه لا محالة، وقوله تعالى: (( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا) [التوبة: 74] ، ومن عزم على الكفر كأنه أجاز الكفر، ورأه أمرًا سائغًا [الإيضاح والتبيين لأحمد الخالدي: ص 35، 36 بتصرف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت