فهرس الكتاب
فحتى تأثروا بالمعتزلة الذي قد قام ضدهم أبو الحسن الأشعري وغيره، وهذه من المسائل الهامة عند المعتزلة، فافترضوا افتراضًا باطلًا، وذلك أن العقل يشهد أن القرآن حق وأن الرسول حق، إذًا فإن تعارض العقل والنقل -على افتراض كلامهم- نقدم النقل لأن العقل أثبت، فإذا لم يفهم عقلك مسألةً نقدم النقل لأنه هو الصحيح.
عند المتأخرين حدثت تخبطات كثيرة جدا في مثل هذه المسائل، ربما أشير إليها عندما نتكلم عن التحسين والتقبيح العقلي عندما نتكلم عن الماتريدية والخلاف بينها وبين الأشعرية في هذه المسائل في المحاضرة القادمة.
حتى بعض المتأخرين منهم كالطهطاوي وغيره مرة يلفق العقل والنقل، ومرة يقدم العقل على النقل، وقد فنَّدت هذه وذكرتها في كتابي (دور رفاع الطهطاوي في تخريب الهوية الإسلامية) ، وهو عالم أشعري ذهب إلى فرنسا، وافتتن بها، ورجع بعد خمس سنوات، وهو أول واضع للبِنَات العلمانية في العالم الإسلامي كله! وكان متخبطًا في بدايته بالأشعرية فقد كان يحاول أن يوافق بين العقل والنقل فتارة يثبت العقل وتارة يثبت النقل وتارة يثبت التحسين.
من المسائل أيضًا التي استقرت عند الأشاعرة المتأخرين: نفي الصفات الاختيارية التي تقوم بذات الله تعالى؛ فهناك صفات خبرية مثل: صفات الوجه والعينين وغيره وهناك صفات اختيارية مثل: الاستواء ونزول الله -عز وجل- في الثلث الأخير كل يوم فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، حتى أذان الفجر، لكنهم نفوا هذا.
وأذكر أنه قيل لأحد العلماء إسحاق ابن راهويه: كيف تقولون في هذه الأحاديث كالنزول والاستواء؟ إن الذي نقل لنا الأحكام هم الذين نقلوا لنا هذا، فكيف تقبل هذا وترفض ذاك؟! قال له: هل ينزل ويترك عرشه؟! فقال له من باب الإلزام: هل يقدر أن ينزل أم لا؟ فبهت، لأنه إن قال لا يقدر فقد كفر، لأنه نفى عن الله -عز وجل- القدرة، وإن قال يقدر يلزمه أن يقول ينزل كما يليق بجلاله، فهنا بهت! ولذلك لا يناظر هؤلاء إلا الفحول وأهل العلم.
وتجدهم يؤولون المجيء {جَاءَ أَمرُ ربِّك} ، وصفة الكلام، ويقولون: الكلام نفسي، وأيضًا الرضا والغضب يؤولونهما أنهما شيء من المجاز، ومعناها التنعم في الجنة أو العقوبة، فنفوا الصفات الاختيارية عن ذات الله -عز وجل-.
ومن المبادئ عند المتأخرين أنهم أثبتوا صفات سبع: الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام النفسي. فلمَ أثبتم هذا ونفيتم الصفات الاختيارية؟!