الصفحة 152 من 248

نعرف أن الحسن الشيء الجيد، والقبيح الشيء المذموم، هذا المفهوم. المعتزلة مثلًا أثاروا القضية كالآتي: قالوا أن الشيء إما أن يكون حسنًا في ذاته أو قبيحًا في ذاته، فأطلقوا العنان للعقل وقالوا إذًا العقل يستطيع أن يميز بين الحسن وبين القبيح، فإذًا حتى لو لم يَرِد الشرع فالناس تُسأل وتُحاسَب، فمثلًا لا يوجد شرع عن تحريم أي شيء فإن كان عقلك قال لك هذا شيء جيد وحسن فلو اقترفت السيء فالله يحاسبك، حتى لو لم تنزل آيات قرآنية ولم ينزل تحريم أو تحليل، فالشيء الحسن لو فعلته تثاب عليه، وهذا شيء قبيح لو اقترفته وارتكبته تجزى عليه وتعاقب عليه في الآخرة، هذا هو خلاصة رأي المعتزلة.

أما الأشاعرة فكانوا على النقيض، قالوا الأمر عند الله سبحانه هو الذي يقول بالشرع هذا قبيح وهذا حسن، فالشيء يستوي فيه الأمران والله هو الذي جعله قبيحًا أو الله وصفه بأنه حسن، فلا دخل للعقل إطلاقًا بهذه المسألة، فهذا الذي ذكره الأشاعرة نقيض المعتزلة. المعتزلة قالوا العقل يحسِّن ويُقبِّح حتى لو لم ينزل الشرع، الأشاعرة قالوا كل شيء للشرع هو الذي يقول هل هو حسن أو قبيح حتى لو خالف العقل.

ولذلك افترضوا افتراضات سبحان الله لو التزموا بالشرع وبما كان عليه هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة وغيرهم!، يعني مثلًا يقولون: هل يجوز أن يرسل الله رسولًا ويكون كافرًا؟ أو يرسل رسولًا ويكون فاسدًا؟ والعياذ بالله. قالوا: إذا شاء ذلك فعل من الناحية العقلية ولكنه لم يفعل لأنها في الشرع غير موجودة، يقولون يجوز لماذا؟ لأنه إذا أمر الكافر أن يكون رسولًا، أستغفر الله!، يعني كونه سماه رسولًا إذًا فهو شاء ذلك فهو حسن رغم أن العقل يقول هذا الرجل فاسد عربيد مشرك، فكيف تقول أن الله يكلفه بهذا!! هذا خبَط ولا أريد أن أذكر لكم أمثلة هذا حتى لا تصابوا بالدوار.

فالمعتزلة أطلقوا العنان والآخرين أغلقوا الشيء كله وجعلوا أفعال الله مشيئة كأن الله -سبحانه وتعالى- ليس من صفته الحكيم، فالحكيم الذي يضع الشيء في موضعه، كيف العقل يقول لك أن هذا الفعل حسن وأنتَ تقول أن الله ممكن يكلف واحدًا كافرًا ويجعله رسولًا!! نزعوا الحكمة أستغفر الله العظيم!، هذا هو رأي الأشاعرة وكتبهم مملوءة بذلك.

ولذلك الماتريدية خالفوهم ومالوا إلى أهل السنة، وقالوا: المسألة فيها تفصيل؛ الله -سبحانه وتعالى- خلق في الإنسان عقلًا يستطيع أن يُحسِّن ويُقبِّح، لكن هذا التحسين والتقبيح لا يؤاخذ عليه العبد إلا بالشرع، لكن قبل الشرع لا يؤاخذ عليه، يعني العقل قبل وجود آية أو أي حديث والعقل قال أن الشيء سيء واقترفه الإنسان هنا لا يُعاقب عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت