فهرس الكتاب
الإنسان؛ لأنه لا يوجد شرع، فالشرع لم يحرم هذا الشيء رغم أنه سيء لكن لم ينزل تشريع بذلك. فأهل السنة والماتريدية مع بعض الآن، هناك تفاصيل أخرى دعكم منها لكننا نتكلم في المجمل الآن.
لذلك ابن القيم رد ردودًا جيدة على هذا، وساق أدلة كثيرة جدًا على هذا، فقال: الله -سبحانه وتعالى- يقول في القرآن دليل على أن هذا باطل الذين نفوا الحسن والقبح العقلي {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} فلو كان لا معنى للمعروف إلا ما أُمروا به ولا المنكر إلا ما نُهي عنه كما تزعم الأشاعرة لكان معنى الآية على مذهب الأشاعرة لو كان كلامهم صحيحًا: يأمرهم بما يأمرهم وينهاهم عما ينهاهم، وهذا الكلام يُنزَّه عنه آحاد العقلاء فضلًا عن كلام رب العالمين والعياذ بالله، فالله -عز وجل- يقول: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ} والمعروف العقلاء يعرفونه، {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} إذًا كان هناك منكر للعقلاء يعرفونه، فهل يعقل أن يقول لهم {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} وهم لا يعرفون ما معنى معروف وما معنى منكر؟! هذا كلام في منتهى الخطورة عند الأشاعرة فهم ينفون ذلك أصلًا.
ويستشهد عليهم ابن القيم أيضًا بقوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} فهذا صريح في أن الحلال كان طيبًا قبل حِلِّه، وأن الخبيث كان خبيثًا قبل تحريمه، ولم يستفد طيب هذا وخُبث هذا من نفس الحل والتحريم، إذًا متى يُحاسب الناس؟ يحاسبون بعد النص، لكن قبل النص الناس لا تحاسب لو ماتت على ذلك، فلو أكل واحد من الخبائث رغم أن العقل يقول له أن هذه من الخبائث وهي مستقذرة لكن الشرع لم ينزل فلا يُعاقَب عليها؛ لأنه لا يوجد نص.
رد عليهم أيضًا ابن القيم في قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} وهذا دليل على أن الفواحش في نفسها لا تستحسنها العقول فتعلق التحريم بها لفحشها، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} إذًا العرب والناس العقلاء يعلمون ما هي الفواحش قبل حتى نزول النص، {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} فعلل النهي بكون المنهي عنه فاحشة، فالعقلاء يعرفون كون هذا فاحشة. وهذا الكلام ابن القيم نشره في كتبه في (اجتماع الجيوش الإسلامية) وفي (شفاء العليل) وذكره أيضًا في كتاب (مفتاح دار السعادة) وغيرها، وعندما تكلم أيضًا في (طريق الهجرتين وطبقات المكلفين) فابن القيم مبدع في كتبه وفي تحرير مذهب السلف -رحمة الله عليه-، فكل هذه الأدلة التي ذكرها وهذه الآيات كلها تدل على بطلان ما تزعمه الأشاعرة من نفي الحسن والقبح العقليين.