الصفحة 17 من 248

والآخرون سمّوهم مهرطقين أيضًا وخارجين عن الملة، يعني كفار. ولذلك قبل الإسلام الزرادشتية اتهمت أتباع ماني أنهم يحرّفون الدين، ولذلك سموهم (زنادكة) . فلما دخلوا الإسلام صارت كلمة (زنديق) تُطلق على الملحد، أو الذي يؤمن بدياناتٍ أخرى غير ديانة الإسلام. حتى توسعت الكلمة لدرجة صارت كلمة (زنديق) تُطلق على الذين يفتنون في المجون والخلاعة، يقولون هذا زنديق؛ مثل شعراء المجون، مثل أبي دلامة، وأبي نواس وغيرهم، كانوا يُعدّون من شعراء الزنادقة.

ومنهم من كان يدّعي أنه زاهد من الزهاد، كصالح بن عبدالقدوس، كان شاعرًا عندما يتكلم في الزهد ممكن تبكي، ولكنه كان زنديقًا. وكان هناك سالم الخاسر وغيره، كل هؤلاء كما قلنا، وأنا لي مقال أو بحث قديم من عشر سنوات اسمه (تاريخ زنادقة الأدب والفكر قديمًا وحديثًا) ، وهو مقال طويل؛ استعرضت فيه تاريخ الزندقة، وتعريفها، وأصلها، وكيف ظهرت في الإسلام، وكيف حاربها الخلفاء، وتعامل معها الخلفاء.

خطورة هذه الزندقة أن الزنديق في تلك الفترة، كما يقول ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:"الزنديق هو المنافق"، فهذا معنى كلمة زنديق قديمًا. ابن تيمية عندما سُئل ما حكم الزنديق؟ قال:"في أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا المصطلح لم يكن معروفًا"؛ كانوا يعرفون في المدينة منافق فقط -نقصد النفاق الأكبر-، المنافق الذي يقابل الكافر. إذًا مصطلح زنديق هذا جاء بعد عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - نتيجة دخول الفرس، ولكن ابن تيمية يقول:"وكان القضاة والعلماء يتعاملون مع هؤلاء الزنادقة أنهم منافقون"؛ منافق: يعني كافر خارج، ليس له شيء خاص، يساوي المنافق في أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

لكن المصطلح تطور، وصار بعد ذلك تُطلق كلمة (زنديق) كملحد لا يؤمن بأي شيء، العرب كانت تقول هكذا.

ولذلك تجدون مثلًا أحد علماء المسلمين عندما كان في بغداد، وكان فقيرًا، وكان عالمًا فحلًا كبيرًا، ولكن ضاق لأنه كان في مكان والناس لا تساعده، يعني يجلس في المسجد ولا أحد يساعده، وليس من أهل البلد، هو من منطقة إما من المشرق أو المغرب، من مناطق بعيدة عن بغداد، ورغم ذلك فإنه تعب لأنه لا يجد قوت يومه، ويُعلم ويخرّج العلماء ولا أحد يساعده في أي شيء، ولا يجد عملًا حتى؛ فاضطر أن يأخذ حاجياته، ويرحل إلى بلده، لأنه تعب وما يجد قوته؛ فالناس قالوا: كيف يخرج هذا، عارٌ عليكم، الحقوا بهذا الرجل، وهذا عالم كبير مبارك، كيف يخرج؟

فأنشد بيتين من الشعر وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت