أيضًا هم لهم مبرر آخر أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات كلها، فالإنسان لا يستطيع أو ليس في إمكانه أن يأتي بكل هذه الطاعات والأفعال ويقول أنا مؤمن بهذا الاعتبار كأنه يزكي نفسه، أنا مؤمن يعني أدَّيتُ كل هذه المأمورات وانتهيت عن كل هذه المحظورات، فكأنه يشهد لنفسه بالجنة أو يشهد لنفسه بالإيمان الكامل ويزكي نفسه، ولذلك فإنهم أوجبوا الاستثناء.
رغم أن هذا التبرير الذي قالوه هو تبرير أيضًا عند علماء أهل السنة وهو رأي الإمام أحمد ورأي العلماء في مسألة الأعمال. ولكن هذا سنفصل فيه بعد ذلك وإنما نتكلم في الجملة الآن.
أما القول الآخر الذي حرّم الاستثناء وهم المرجئة والجهمية مأخذهم هو أن الإيمان شيء واحد. فإذًا عندما أقول أنا مؤمن ومقر بالله ومصدق بالله ومصدق بكتابه ومصدق برسوله وأقول إن شاء الله إذًا معنى ذلك أنني شاكّ، إذًا هذا ليس بمؤمن. كيف الواحد يستثني في إيمانه؟ يعني بمعنى المعرفة القلبية وتصديق القلب. أو بالإقرار بكلمة: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) إن شاء الله هذا لا يجوز حتى عند علماء أهل السنة.
فهذا هو مأخذهم لأنهم حصروا الإيمان وجعلوه شيئًا واحدًا وجعلوه في المعرفة القلبية أو حتى الذين قالوا بالإقرار قالوا بالإقرار حتى باللسان قالوا إن مجرد الشهادة أشهد أن لا إله الله محمد رسول الله لإجراء الأحكام الدنيوية، فإنه حتى بمجرد الكلمة هذه لا يجوز الاستثناء فيها، لذلك حرّموا الاستثناء.
أما رأي أهل السنة فالمسألة تختلف عندهم: قالوا بجواز الاستثناء وجواز تركه؛ جواز الاستثناء بمعنى أن يقول:"أنا مؤمن إن شاء الله"، وجواز تركه يعني واحد يقول لك: أأنت مؤمن؟ ففي هذا السؤال ممكن أن تتركه لأن هذا السؤال كان بعض السلف يعدُّه سؤال بدعة، أن نقول له آمنت بالله وملائكته وكتبه؟ أنا مؤمن غير شاك لكن أستثني في الأعمال.
أقول بالنسبة للأعمال: المطلوبات، الأوامر، النواهي، هذه من الذي يستطيع أن يقول أنا أدَّيت كل هذه الأوامر الشرعية من الفرائض والنوافل والواجبات والمستحبات؟ فإذا قلت"أنا مؤمن إن شاء الله"فلأن هذه معناها تزكية للنفس ومعناها أن الإنسان مهما أدى من الطاعات فإنه سيظل مقصرًا. ولذلك إذا كانت المسألة بمعنى تزكية النفس في الأعمال إذًا هنا أقول له:"أنا مؤمن إن شاء الله".