فمعناه قد يُخشى عليه أن يزكي نفسه، ُفهم منه أنه يزكي نفسه، أي يشهد على نفسه بأنه أتى بحقيقة الإيمان الكاملة التي تستوجب له الجنة.
أو أن الإنسان حتى عندما يصلي فإنه لا يعلم هل قُبلت صلاته أم لا. لأن الإنسان عندما يصلي أو يتصدق أو يزكي يسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبلها منه، وهو لا يعلم أقُبلت أم لم تُقبل. إذًا هو يستثني على هذا الأساس أيضًا.
ما هي الأدلة من الكتاب؟ عندما تقولون الاستثناء حرام لأن الاستثناء معناه شك، أنا مؤمن إن شاء الله كأنك تعلّق وتستثني. فهذا الاستثناء ورد في القرآن الكريم أيضًا. اقرأ في سورة الفتح، يقول الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} لاحظوا: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} . من القائل؟ الله -سبحانه وتعالى- هو القائل. فالله عليم أنهم داخلون، ورغم ذلك قال إن شاء الله استثناء، إذًا هذا استثناء على يقين. هل أحد يقول إن هذا فيه شك؟ هذا استثناء على يقين.
وأيضًا في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم وقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) . انظر إلى قوله: (وإنا إن شاء الله بكم لا حقون) . الرسول يعلم أن كل نفس ستموت وفي النهاية لا بد أنهم سيلحقون إخوانهم الذين ماتوا من قبل ورغم ذلك استثنى.
وقال - صلى الله عليه وسلم: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله -عزَّ وجلَّ-) ومعلوم أيضًا أن الرسول هو أخشانا لله ورغم ذلك استثنى. وروي أن رجلًا قال عند عبد الله بن مسعود:"أنا مؤمن. فقال ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ فقال أرجو. فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وقلت الأخرى؟"يعني كنت ممكن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، على أساس التزكية، لأنه يريد أن يعلمه أن مؤمن هنا بمعنى أنه أدى الأعمال وأدى الطاعات ويُفهم منه أنه شهد لنفسه بالجنة ولذلك قال له أنت من أهل الجنة؟ لكن لا يقصد ابن مسعود -رضي الله عنه- الإيمان بمعنى الاعتقاد القلبي أو بمعنى كلمة التوحيد (أشهد أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله) التي يدخل بها العبد الإسلام، ولكنه يقصد الأعمال.
وقال رجل لعلقمة:"أمؤمن أنت؟ قال: أرجو إن شاء الله".
ولذلك قال الإمام الآجري: وهذا مذهب كثير من العلماء وهو مذهب أحمد بن حنبل، واحتجّ أحمد بما ذكرنا. يعني الإمام أحمد في مسائله وفي رسائله كان يحتج بهذا واحتج بمساءلة الملكين في القبر للمؤمن ومجاوبتهما له فيقولان له: