"على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تُبعث يوم القيامة إن شاء الله تعالى". ويُقال للكافر والمنافق:"على شك كنت، وعليه مت، وعليه تُبعث إن شاء الله". وهم يعلمون أنه سيُبعث ورغم ذلك استثنوا. فهذا استثناء على يقين، استثناء في موضوع مقطوع به.
إذًا السلف كانوا يستثنون في هذه المسائل.
والإمام أحمد عندما يعلق بأنه إنما يُستثنى للعمل، وقال الله -عزَّ وجلَّ-: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} فهذا استثناء بغير شك. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله -عزَّ وجلَّ-) . قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان.
ولذلك فإنه أيضًا في رواية ساقها بسنده الإمام الآجري قال في حديث الفضل بن زياد:"سمعت أبا عبد الله يعجبه الاستثناء في الإيمان". فقال له رجل:"إنما الناس رجلان مؤمن وكافر". فقال عبد الله::فأين {وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ؟". وقال: سمعت أبا عبد الله يقول سمعت يحيى بن سعيد يقول:"ما أدركت أحدًا إلا على الاستثناء". وقال: سمعت أبا عبد الله مرة يقول: سمعت يحيى يقول:"ما أدركت أحدًا من أهل العلم ولا بلغني إلا الاستثناء"."
هذا قول السلف وعلماء السلف والصحابة، ورغم ذلك فإن الأشاعرة المتأخرين هؤلاء يقولون يحرم الاستثناء! وأن الإنسان يقول أنا مؤمن حقًا! فهذه آيات من القرآن الكريم، وأحاديث، وأدلة، ثم هؤلاء علماء السلف كانوا يستثنون. والإمام ابن سلّام عندما ذكر بسنده أيضًا ذكر هذه المسائل وذكر عن الإمام الأوزاعي، والإمام الأوزاعي كان يقولها، ويقول يجوز هذا ويجوز هذا، فحسن هذا أن تقول إن شاء الله، أن تقول أنا مؤمن إن شاء الله.
وحتى الذين استدلوا بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) . الرسول قالها هكذا رغم أنه على يقين وشيء مقطوع به أن كل نفس ستموت ومقطوع أنهم سيلحقون بهم.
الذين قالوا يحرم الاستثناء في الإيمان لأنهم قالوا الإيمان كإيمان جبريل وكإيمان الملائكة، الإيمان واحد لا يتجزأ وكإيمان الأنبياء. ولذلك شنّع عليهم الإمام ابن سلّام وقال كيف يستوي هذا مع هؤلاء المؤمنين وذكر بالنص هكذا يقول: