لكن نحن نتكلم عن القاضي الشرعي، الذي يحكم بما أنزل الله، وأُتي إليه بهذا الزنديق الذي تكلم كلامًا خطيرًا. لو أتينا إليه بأي زنديق؛ مثل جمال البنا، ومثل حسن حنفي، ومثل حامد أبو زيد، وهشام جعيط، وكل هؤلاء المهرتقين المشاهير. لو جيء بواحد من هؤلاء الزنادقة الذين يسبون؛ كمحمود درويش وغيره. امسك كلام محمود درويش زنديق كاره لله، وكاره للرسول، ويستهزئ بالإسلام وبالكعبة.
هؤلاء لو جيء بهم يقولون: حرية تعبير. لكن عند القاضي الشرعي، يقول: أنا معترف لكني تائب. الله -سبحانه وتعالى- يقبل التوبة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال باب التوبة مفتوح ما لم يغرغر؛ يعني ممكن إنسان لغاية الغرغرة أن يتوب، ويقبل الله توبته. لكن عند القاضي ما الحكم؟
اختلف العلماء هنا. العلماء قالوا عن توبة الزنديق بصفة خاصة لأنه يختلف عن توبة أي إنسان عاصٍ؛ يعني السارق، القاتل، حتى المشرك الذي أشرك وجاءك تائبًا، يختلف عن توبة الزنديق؛ لأن المشرك هو يتوب لأنه كان مشركًا، ويأتي إلى شيء جديد هو الإسلام، فجاء تائبًا؛ لكن هذا كان مسلمًا، وتلفظ ألفاظً كفرية، فهو زنديق بهذا الوصف، فجيء به، وهو طبعًا معلوم أنه متلون؛ يعني يمارس عليك التقية، لأن أصل الزنديق أنه يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
علماء الأحناف في المشهور عندهم، وعلماء الحنابلة، والمالكية، وغيرهم من العلماء؛ قالوا: إن الزنديق هذا لا تُقبل توبته، حتى لو جاء تائبًا، لكن المشهور عند الإمام الشافعي، أنه تُقبل توبته كتوبة عامة؛ يعني أي إنسان: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ؛ فالله يتقبل التوبة، إذًا هو جاء تائبًا من باب العام فهو مثل بقية الكفار، أو بقية من يرتكبون المعاصي؛ فيتوب الله عليهم.
الإمام ابن تيمية وابن القيم أيضًا، يميلان إلى رأي أنه لا تُقبل توبته، لماذا؟ ابن القيم يحلل هذا الموضوع، يقول: هو كان في الأصل مسلمًا، فسيتوب يرجع إلى ماذا؟ هو يُظهر الإسلام أصلًا؛ ولكن هذا شخص خطير، هو ممكن يضحك على القاضي، يقول: أنا سأكون ملتزمًا بالإسلام وهكذا. فابن تيمية وابن القيم يميلان لعدم قبول توبته لأنه خطير، وخاصةً من تكررت منه هذه المسائل.
أما الإمام النووي يفّصل المسألة؛ يقول: هذا الزنديق إذا قُبض عليه وجيء به إلى القاضي. ونفترض إذا جاء هو طائعًا مختارًا بدون إكراه، وجاء بنفسه إلى القاضي، وقال له: أنا كنت زنديقًا، وفعلت وفعلت، وتبت إلى الله. هنا الإمام النووي يقول:"في الحالة الأولى، لا تُقبل"؛ وهي حالة لو جاء مقبوضًا عليه، المحتسبون قبضوا عليه، أو أفراد من الناس