فهرس الكتاب
فأنتم تُنزلون هذا الحديث على واقعنا المعاصر، على ناس يعيشون في بلاد فيها علماء وفيها أحكام شرعية لا تزال باقية، وأناس يعرفون معنى الصلاة، ومعنى الصيام، ومعنى الحدود، ومعنى ما هو معلوم من الدين من الضرورة، يعلمون ذلك جيدًا، وأنت تقول لو قال (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تنجيه أو صدّق -على طريقة تعريفهم للإيمان-!، لأن الإيمان عندهم هو: تصديق بالجنان (بالقلب) ، وإقرار باللسان، والعمل عندهم هو شرط كمال، حلية فقط لا أكثر ولا أقل.
وحتى الإقرار باللسان هو فقط عندهم من باب إجراء الأحكام فقط، يعني حتى تجري الأحكام الدنيوية. لكن لو مات -على رأي الغلاة منهم- وفي ظاهره في الدنيا أنه لم يقرّ فتُجرى عليه أحكام الكفار. لكنه إذا مات وقلبه يقرّ بهذا الدين ولم ينطق بها ولم يعمل أي شيء فهو مؤمن أيضًا!. وهذا باطل وبهتان وافتراء على كل هذه الشواهد من القرآن والسنة.
إذًا هذا الحديث الذي يستدلون به يدل على أن هؤلاء الناس كانوا عاجزين عن العمل، بسبب شيوع الجهل في الفترة التي يعيشون فيها، ولم يصلهم من هذا الدين إلا: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) . إذًا نجّتهم لأن هذا هو القدر الذي يعرفونه.
لكن نأتي إلى شخص يعرف (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وعنده شيوع العلم، وتقول لي أنه إذا لم يؤدِّ الأركان ولم يعمل فإنها تنجيه ويدخل الجنة ويكون مؤمنًا؟! لا، ليس مؤمنًا، بل هذا كافر، كافر ظاهرًا وباطنًا. هذا هو الذي عليه معتقد أهل السنة والسلف الصالح -رحمة الله عليهم-.
وهذه الشبهة على طريقة {أَتَوَاصَوْا بِهِ} ، لا يزالون يُلقِّنون أتباعهم هذه الشبهة، وهي شبهة هذا الحديث (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب) . وشيخ الإسلام ابن تيمية له كلام جميل جدًا في هذا الأمر.
وأنا تكلمت في درس سابق عندما كنا نتكلم عن إخراج العمل، وردّ على ذلك الإمام ابن سلّام في كتابه (الإيمان) كما قلت لكم. ولكن ابن تيمية لخّص لنا هذا الموضوع أيضًا قال: إن الله لما بعث محمدًا رسولًا إلى الخلق كان الواجب على الخلق التصديق به، تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس ولا صيام شهر رمضان ولا حج البيت ولا حرّم عليهم الخمر والربا.