الصفحة 235 من 248

شاء عذّبه وإن شاء غفر له، وهذا الكلام ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (الإيمان) في مسألة مرتكب الكبيرة. هو ينتقل إلى موضوع الإسلام في التكاليف العامة، في شهود الجنازة، في مسائل النكاح، فالذي يرتكب كبيرة لا يُنزع عنه لفظ الإيمان بالوجه الإجمالي العام، ولكن لا يُقال عنه مؤمن ونحن نعلم أنه مرتكب كبيرة ولكن لا بد من هذا التوصيف، نقول مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. ولم ننزع عنه لقب الإيمان بالكلية أو لقب الإسلام أو صفة الإسلام بالكلية. هذا حكمه في الدنيا.

أما في الآخرة فهو في مشيئة الله -عزَّ وجلَّ- إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له. فلو واحد زنى أو سرق وأُقيمت عليه عقوبة في الدنيا، يعني عقوبة الرجم أو الجلد أو القطع، لو عوقب في الدنيا بكبيرته، قالوا هذه كفارة له في الدنيا فهي توبة بالنسبة له. مرتكب الكبيرة الذي لم يتب ولم يُقم عليه الحد ولم يتب فهو في المشيئة إن شاء عذّبه الله وإن شاء عفا عنه ولم يدخله النار.

ولذلك فإن شيخ الإسلام ابن تيمية تكلّم في هذه المسائل وقال:"بتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع -يقصد على حكم مرتكب الكبيرة- ويُعلم أن في المسلمين قسمًا ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ، فليس هذا ولا ذاك."

ولا من الذين قيل فيهم: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} ، فلا هم منافقون ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاص، وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار. وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق المليّ". هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الإيمان الأوسط) ."

ويقول أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر في حكم مرتكب الكبيرة:"وهل يُطلق عليه اسم المؤمن؟ هذا فيه قولان، والصحيح التفصيل، فإذا سُئل عن أحكام الدنيا كعتقه في الكفَّارة قيل هو مؤمن، وكذلك إذا سُئل عن دخوله في خطاب المؤمنين العام هكذا، أما إذا سُئل عن حكمه في الآخرة قيل ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار ويدخل به الجنة بعد أن يُعذب في النار إن لم يغفر الله له ذنوبه. ولهذا قال من قال هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت