إذًا هذه نزلت في مؤمنين ارتكبوا كبائر وهذه الكبائر كانت كفَّارة لهم بموجب تطبيق هذا الحد. والدليل على ذلك أن الرسول أمر بالصلاة عليهم، فلو كانوا مسلوبي الإيمان بالكلية ما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة عليهم، وما نزلت هذه الأحكام في سورة النور وفي سورة المائدة عن السارق والسارقة {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} ، وإلا لكان السارق يُقتل إن كان مسلوب الإيمان، وهكذا.
هناك أيضًا مسألة أخرى من مسائل الإيمان وهي: هل الإيمان يزيد وينقص؟ وهذه المسألة ناقشناها في تقريرات السلف. وقلنا إن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي. وهذا يدل على أن الناس ليسوا على مستوى واحد في الإيمان ولا في الأعمال، لا في أعمال القلوب ولا أعمال الجوارح، الناس متفاوتون في الإيمان، والإيمان يزيد بلا نهاية، وينقص إلى أن يصل السلب النهائي من العبد.
وناقشنا الأدلة على ذلك في تقريرات مذهب السلف وناقشناها عندما نردّ على الخوارج الذين قالوا إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. ورددنا أيضًا على الجهمية الذين قالوا إن الإيمان وحدة واحدة وهو المعرفة وإنه لا يزيد ولا ينقص، كيف سيزيد وكيف سينقص وهو عبارة عن تصديق واحد!.
وهذه المسألة كانت محور خلاف بين الطوائف الإسلامية كلها، وكل فرقة كان لها رأي في هذا ولكن السلف -رحمهم الله تعالى- بعد أن أجمعوا على أن العمل ركن في الإيمان، رأوا أن الناس بعد ذلك على درجات من التفاوت في الأعمال، إذ لا يمكن التساوي في الإتيان بها على الوجه المطلوب.
وذلك لتفاوت استعداد الناس في تقبُّل ما يصل إليهم من التَّكاليف الشرعية، منهم من يصل من درجة الكمال ويستطيع تنفيذ الأوامر التشريعية ويجتنب جميع المنهيات وهؤلاء صفوة، ومنهم من هو سابق في الخيرات، ومنهم مقتصد، ومنهم من هو المقصّر. فهذه درجات متفاوتة فمن الناس من يقتصر على النوافل، وثالث يتقبَّل التَّشريع ويصدّق به، وبعضهم يقصّر في الإتيان ببعض الواجبات ويتهاون، وأيضًا نتيجة الشهوة الجامحة فيؤدي إلى ارتكاب بعض المحرّمات. فالناس متفاوتة واقعيًا أيضًا واستحالة أنهم يتساوون في مثل هذه المسائل.