الصفحة 36 من 83

، واعتل لذلك: بأن الضمير في قوله: «يسطرون» ، والضمير الآخر في قوله: «يبصرون» لا يمكن أن يحمل كل منهما على مضمرٍ خاصٍّ به، يخالف مضمر الآخر، بأن يكون المضمر الأول (الملائكة) ، والثاني (المكذبين للرسول) ، ولم يقم دليلا له على ذلك، لا نقلا ولا عقلا، بل شبهات عض عليها (ص 50) ، ورأى أنه لابد من حمل الضميرين كليهما على (المكذبين بالرسول) لا على (الملائكة) ؛ لأنه لا يمكن أن يقسم الله بالملائكة أولا، ثم يعود ليتحداهم!!

الرد:

أولًا: لا مانع من عود الضمير في كل من «يسطرون» و «يبصرن» على مضمر لكل منهما يخالف مضمر الآخر، فالأول: يكون للملائكة الذين يكتبون مقادير الخلق، ويكون المراد بالقلم حينئذ: القلم الذي أمره الله بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة من مقادير الخلائق كلها، وهو أول ما خلق الله، والثاني: يعود على كفار قريش المكذبين بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعوته، أو يكون الأول عائدا على عموم الخلق وما يكتبون، إذا فسر القلم بأنه جنس القلم الذي يُكتب به [1] ، ولا يعد هذا خطأ في التركيب البلاغي، وشواهده في القرآن كثيرة.

ثانيًا: مما يؤيد ويقوي أن المراد بالقلم: القلم الذي خلقه الله قبل سائر الخلق، وأن الضمير في «يسطرون» يعود على الملائكة كتبة المقادير: ما روي عن ابن عباس - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما خلق الله القلم والحوت، قال للقلم: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: كل شيء كاءن إلى يوم القيامة» ثم قرأ: «ن. والقلم وما يسطرون» [2] .

ثالثًا: إذا كان المفسرون قديما وحديثا لم يجمعوا على قول راجح في المراد بقوله: «ن» وكذا في المراد بسائر الحروف المقطعة، وإنما الأمر اجتهاد، وقد يقوى قولُ بعضهم على آخر، حتى إن أبا حيان بعد ذكره الأقوال الواردة في المراد بحرف «ن» قال: «لا يصح شيء من ذلك» [3] ، رغم ورود آثار عن

(1) تفسير ابن كثير 4/ 473.

(2) المرجع السابق 4/ 472.

(3) البحر المحيط 8/ 301.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت