سبق وأن بينا ادعاء الرجل: أن غالب السور المفتتحة بـ «الم» يعقبها ذكر لصفات المحسنين، وظهر لنا بطلان ذلك، وتعسفه في محاولة لي عنق النصوص لتدل على ما ذهب إليه.
إلا أننا نجده في هذه السورة قد نفدت كل الحيل معه، فسقط في فخٍ صنعته يداه، إذ لا يظهر أي تناسب بين «الم» والآيات بعدها: «الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نزل عليك الكتاب بالحق وأنزل التوراة والإنجيل من قبلُ هدى للناس وأنزل الفرقان ... » ، وهذه الآيات من أقوى ما يرجح أن هذه الحروف قصد بها التحدي والإعجاز للكفار، فجاء بعدها هنا: الانتصار للقرآن، وبيان أنه منزل من عند الله، كما أنزل الكتب السماوية قبله: التوراة والإنجيل، والإيماء إلى أنهما أنزلا قبل القرآن؛ إنما هو تمهيد لهذا الدين، فلا يحق للكفار أن يكفروا به [1] .
ثم: إن الآية الأخيرة بالسورة «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون» لا علاقة لها بذرف الدموع - حسب زعمه - فالآية وصية جامعة للمؤمنين، ويدخل فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - دخولا أوليا، فهو القائد والقدوة، وهي جاءت في سياق الجهاد لأعداء الدين، والاستعداد الدائم لهم بالصبر على القتال، والمصابرة، وهي الصبر في وجه الصابر، وهذا أشد الصبر ثباتا في النفس، وأقربه إلى التزلزل؛ ذلك لأن الصبر في وجه صابر آخر شديد على نفس الصابر، لما يلاقيه من مقاومة قرن له في الصبر، قد يساويه، أو يفوقه، وأمرهم بالمرابطة في الثغور؛ خشية أن يفجأهم العدو، وأمرهم بتقوى الله باجتناب نواهيه، وفعل أوامره، والصبر على ذلك [2] ، وكل ما تقدم فيه معنى القوة، فأينها من ذرف الدموع والبكاء والنحيب؟؟ وهذا الختام للسورة مناسب لجوها العام وموضوعاتها، حيث ذكر بها الجهاد، وتحدثت عن أهل المتاب، ومآل المؤمنين والكافرين، وغير ذلك، فكان هذا الختام مناسبا [3] .
(1) التحرير والتنوير 3/ 144.
(2) التحرير والتنوير م 3 ج 4 ص 208.
(3) في ظلال القرآن 1/ 356.