قوله (ص 136) : إن في ابتداء السورة كلمات مثل «أحكمت» و «فصلت» في وصف الكتاب المنزل، تؤكد قطعا تثبيت قلب الشاك المرتاب محمد - صلى الله عليه وسلم -.
أقول: ليس الأمر كما زعم، بل جاءت الآيات في معرض الدفاع عن القرآن، وبيان فضله، وإعجازه، ولذا تحدى الله به المشركين، كما في الآية (13) من السورة: «أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دونه إن كنتم صادقين» .
والمعنى الحق لقوله تعالى «أحكمت» : أي: أحكم الله آيات هذا الكتاب من الدخل والخلل والباطل، وذلك أن إحكام الشيء: إصلاحه وإتقانه، وإحكام آيات اقرآن: إحكامها من خلل يكون فيها، أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قبله [1] ، فقد نظمها الله نظما بديعا رضيا لا نقص فيه ولا خلل، كالبناء المحكم، وهو الموثق في الترصيف [2] ، فآيات القرآن غير متناقضة؛ لأن التناقض ضد الإحكام، وألفاظه بلغت في الفصاحة والجزالة إلى حيث لا تقبل المعارضة، وهذا من الإحكام، وبهذا تنبئ المقابلة بقوله: «من لدن حكيم» [3] .
وأما قوله تعالى: «فصلت» : أي: فصلت بالأمر والنهي، ومُيز بعضها عن بعض بالبيان عما فيها من حلال وحرام وأمر ونهي وثواب وعقاب وقصص ومواعظ ونحوها، وزالتفصيل على هذا النحو لا يكون إلا من خبير عالم بدقائق الأمور وأحكامها، وبهذا تنبئ المقابلة بقوله «خبير» ، فالحكيم مقابل «أحكمت» والخبير مقابل «فصلت» [4] ، وقيل: فصلت بجعلها سورة سورة، وآية آية، أو أنها فرقت في التنزيل، فلم تنزل جملة واحدة [5] .
(1) جامع البيان 6/ 4284.
(2) البحر المحيط 5/ 201.
(3) التفسير الكبير 17/ 149، والتحرير والتنوير م 6 ج 11 ص 314.
(4) جامع البيان 6/ 4284، والتحرير والتنوير م 6 ج 11 ص 315.
(5) الكشاف 2/ 377، والتفسير الكبير 17/ 149.