أو أن الآية خاطبت المتوقفين في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الشاكين فيه، بخلاف المصدقين به، والمكذبين، فكأنه قال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسام محمد - صلى الله عليه وسلم -، فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحّد الله الخطاب، مع أنه يريد به الجمع، كما في قوله: «يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم» «يا أيها الإنسان إنك كادح ... » لأنه أراد به الجنس والجماعة [1] .
وعلى هذا فالظرفية التي دلت عليها «في» تبقى على حقيقتها، ويكون الشك قد أطلق وأريد به أصحابه، فإن كنت في قوم أهل شك مما أنزلنا إليك، كما يقال: دخلنا في الفتنة، أي في أهلها، ويكون معنى: «فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك» : فاسأل أهل الكتاب سؤال تقرير وإشهاد على تلك الأخبار التي تُحِّث بها عمن قبلك، يخبروك بمثل ما أخبرتهم به، فيزول الشك من نفوس أهل الشك [2] .
أما أبو حيان فوجه الآية توجيهًا آخر لغويا، فقال: إنّ «إِنْ» في الآية «فإنْ منت في شك ... فاسأل» شرطية، وإن الشرطية تقتضي تعليق شيء على شيء، ولا تستلزم تحقق وقوعه ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلا، كقوله تعالى: «قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين» ومستحيل أن يكون له ولد، وكذلك هنا مستحيل أن يكون في شك، وفي المستحيل عادة، كقوله تعالى: «فأن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية» أي: فافعل، لكن وقوع (إن) للتعليق على المستحيل قليل، وهذه الآية من ذلك [3] .
(1) التفسير الكبير 17/ 134 - 136.
(2) التحرير والتنوير م 6 ج 11 ص 284.
(3) البحر المحيط 5/ 190.