الصفحة 65 من 83

فقال: «إن العرب يستجيزون قول القائل منهم لمملوكه: إن كنت مملوكي فانته إلى أمري، والعبد المأمور بذلك لا يشك سيدُه القائل له ذلك أنه عبده، كذلك قول الرجل منهم لابنه: إن كنت ابني فبُرَّني، وهو لا يشك أنه ابنه، وأن ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم، ومنه قوله تعالى: «وإذ قال الله يا عبسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله» وقد علم - جل ثناؤه - أن عيسى لم يقل ذلك، وهذا من ذلك، لم يكن - صلى الله عليه وسلم - شاكا في خبر الله وصحته، ولكن الله خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضا؛ إذ كان القرآن بلسانهم نزل» [1] .

وهذا الخطاب فيه تثبيت للأمة، وإعلام لهم أن صفة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ... » ، وع ذلك فإن أهل الكتاب يلبّسون هذا العلم ويحرفونه، ولهذا قال هنل: «إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون» [2] .

فالخطاب في الآية، وإن كان ظاهره لنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن المراد غيره، كما في قوله تعالى: «يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ... » وقوله: «لئن أشركت ليحبطن عملك» ، ومنه قوزل العرب: «إياكِ أعني، واسمعي يا جارة» ؛ وذلك لأجل قوله في آخر السورة: «قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ... » فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز هو المذكور هنا تصريحا، ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لو كان شاكا في نبوة نفسه، لكان شك غيره في نبوته أولى، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية!! ول قدرنا أن يكون شاكا في نبوة نفسه، فكيف يزول ذلك الشك بأخبار أهل الكتاب عن نبوته، مع أنهم في الأكثر كفار، وإن كان فيهم من كان مؤمنا، إلا أن قوله ليس بحجة، لاسيما وقد تقرر أن ما بأيديهم من التوراة والإنجيل مصحّف محرف، فثبت أن النراد بالخطاب في الآية، هو الأمة.

(1) جامع البيان 5/ 4267.

(2) ابن كثير 2/ 533.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت