كما سبق بالسجدة، فقد حاول جاهدا هنا أيضا الربط بين «الم» ، وبين الإحسان الذي ذكرت بعض صفات أهله: «تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون» ، وذه الآية بعيدة عن افتتاح السورة كثيرا، فهي الآية رقم (15) ، وقد فُصل بين «الم» وهذه بآيات في موضوعات عدة، كالتحدي للكفار، وإقرار ربانية القرآن، وخلق الإنسان ومعاده، وعذاب الكفار، ونعيم المؤمنين وصفاتهم!! ثم إن ذكر صفات المحسنين ونعيمهم جاء مقابلا لذكر صفات المكذبين وجحيمهم، وسبق بيان: أن الإحسان لا يقتضي ذرف الدموع.
** في (ص 116) ذكر روايات عدة في سبب النزول لهذه السورة، والرواية الرابعة غير جلية المعنى عنده، وجلاء معناها بكون بالنقل من مصدرها الأصلي - الذي لم يفكر بالرجوع إليه - (تفسير الطبري) ، حيث قال في توجيه قراءة «غَلَبت الرومُ» - بفتح الغين: «الواجب على قراءة من قرأ «غَلَبت الرومُ» بفتح الغين: أن يقرأ قوله «سيُغْلَبون» بضم الياء، فيكون معناه: وهم من بعد غلبتهم فرسَ سيغلبهم المسلمون؛ حتى يصح معنى الكلام، وإلا لم يكن للكلام كبير معنى، إذا فتحت الياء» [1] .
ثم: إني أوجه سؤالا له: هل هزيمة الروم على يد الفرس، زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أحزنت المسلمين جدًا، لدرجة أن بكى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حتى جاءه الوعد الحق من الله بنصر الروم على الفرس، أو المسلمين على الروم، فكف حينها عن (ذرف الدموع) ؟؟، هذا مقتضى تأويله لـ «الم» بأول الروم، ولم به عاقل البتة.
(1) جامع البيان 8/ 6505.