فعلى هذا: ما علاقة «أحكمت» و «فصلت» بالشك والريبة كما زعم المبطلون؟؟
** في (ص 137) استدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقع في قلبه شك بقوله تعالى في هذه السورة آية (12) : «فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك ... » .
أقول: ليس ذلك دليلا على ما ذهب إليه، وإن كانت تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - وقع في قلبه شيء من الضيق؛ لعدم إيمانهم به، لكن هذا لا يقتضي وقوع الشك في صدق دعوته، ونصرة الله له، وإتمامه لهذا الدين، بل فيها تسلية ا=للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما كان يتعنت به المشركون فيما يقولونه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كقولهم: «وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل عليه ملك ... » فأمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ألا يلتفت إلى ذلك [1] ، وهذا إسلوب يقصد منه: التحريك من همة المخاطب، وإلهاب همته لدفع الفتور عنه، فليس في هذا تجويز ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض ما يوحى إليه من دعوتهم إلى الإيمان وإنذارهم بالعذاب [2] .
** ومثل هذا يقال في استدلاله على ضلاله بقوله: «فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك» وقوله: «وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك» ، وتثبيت فؤاد النبي: إنما هو زيادة يقينه بما وعده الله؛ لأن كل مكا يعاد ذكره من قصص الأنبياء، وأحوال أممهم معهم: يزيده تذكرا وعلما بأن حاله جار على سنن الأنبياء، وأن عاقبته النصر على أعدائه، وفيه تسلية له عما يلقاه من قومه، وذلك يزيده صبرا، والصبر: تثبيت الفؤاد [3] .
وأما قوله تعالى: «فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل» فليس فيها دليل على وقوع شك في قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل إن قوله: «لا تك» قد يكون مقصودا به مجرد تحقيق الخبر، فإنه جرى مجرى المثل في ذلك في كلام العرب، مثل كلمة (لا شك) و (لا محالة) و (لا
(1) ابن كثير 2/ 541.
(2) التحرير والتنوير م 6 ج 12 ص 16.
(3) المرجع السابق، ص 192.