هذ القول لا يقول به إلا ملحد في دين الله، إذ كيف يمكن أن يتسرب شك وريبة إلى قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - في صدق ما أوحاه الله إليه، وتهتز ثقته في تأييد الله له، وإعلاء راية الدين؛ بسبب كثرة مطالب الكفار له؟ بل كيف يمكن أن يعتقد أن ما في كتب أهل الكتاب من أقاصيص وحكايات، قد تكون أصدق مما تلقاه عن الله؟ وهو يعلم علم اليقين أن كتب أهل الكتاب محرفة، بل ومنسوخة بشريعته؟؟ بل كيف يمكن أن يبلغ رسالة ربه، وهو متردد شاك فيها؟ وكيف يقاوم كل عروض وإغراءات الكفار بمكة، يصبر على أذاهم، ثم على جهاده لهم بعد الهجرة، وهو غير مقتنع بالعقيدة التي يدعو إليها، وتحمل الأذى في سبيل تبليغها؟ وكيف يقتنع الصحابة - رضي الله عنهم - بصحة هذا الدين، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذاته غير مقتنع؟ وهل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشك في جبريل أمين الوحي، وهو الذي أنزله الله على أنبيائه قبل محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ بل كيف يختار الله لنبوته من يكون شاكا فيها؟ وهذا الملحد إنما جاء بهذا الكفر العظيم؛ لأجل أن يسير بالآيات وفق منهجه وهواه؛ إذ لم يجد سببلا لذلك إلا بإعلان الكفر، ورفع رايته.
واستدلاله بآيتي المائدة «ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق» «ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفنتوك عن بعض ما أنزل الله إليك» على ما ذهب إليه، استدلال خاطئ؛ لأن الآية تدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز عليه البتة أن يحكم بغير شرع الله، فالمقصود من النهي في قوله: «ولا تتبع أهواءهم» : إما الإعلان عن ذلك؛ ليعلمه الناسُ، وييأس الطامعون أن يحكم لهم بما يشتهون، فالمراد: تقرير ذلك في علم الناس، مثل قوله: «لئن أشركت ليحبطن عملك» . وإما: ليبين الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللناس أن ترجيح أحد الدليلين عند تعارض الأدلة، لا يكون بمقتضى أهواء الخصوم، حتى لو تراضوا عليه، وحتى لو ظهرت فائدة لذلك، وهي دخولهم في الإسلام، فأمور الشريعة لا يتهاون بها، ومصلحة اخترام الشريعة بين أهلها أرجح من مصلحة دخول فريق في الإسلام؛ لأن الإسلام لا يكون ضعيفًا لمريديه، ولا يقاول الناس على اتباعه [1] ، ولهذا فلا دليل في هاتين الآيتين على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بمعصوم، بل فيها بيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ر يفعل ذلك أبدًا
(1) التحرير والتنوير 4/ 222 - 226.