ومن هذا المنطق إذًا يقول الباحث - بكل صراحة - إنّ المحاكاة محض تقليد واحتذاء، فهي لا تأتي بمعنى مبتكر ولا مخترع، سبيلهم في ذلك سبيل المردود المكرر لماسبق قوله وإنشاده، سبيل اللاحق المستعير من السابق المتقدم، بخلاف المعارضة فإنّها تصدر عن أصالة وابتكار وجِدّة.
ج - المباراة: يبدو هذا المصطلح من ظاهره كأنّه يحمل معنى (المعارضة) إذ يعني- في اللغة: أن يفعل الإنسان مثل فعل الآخر، فالمباراة بهذا المعنى هي المعارضة، وفلان يباري فلانا: أي يعارضه ويفعل مثل ما فعله، وهما يتباريان: يتنافسان ويفعل منهما مثل ما يفعل صاحبه، هذا ما قاله صاحب الإفصاح [1] .
وقد فسّره بهذا المعنى كثير من أصحاب المعاجم العربية قديما وحديثا [2] .
هذا هو مدلول المباراة عند اللغويين، وأما باعتبار المباراة كفن، فإنّ الشعراء والنقاد يعنون به: أن يقوم شاعران بأمر المنافسة بينهما كلّ يريد أن يتغلب على صاحبه ويعلو عليه، أي يريد أن يتفوق ويأتي بأحسن مما أتى به صاحبه من غير تسابّ وبدون أن يمسّ من كرامة صاحبه شيئا.
بهذا يُفهم ما للفنين من اختلاف، فالمباراة نوع من المسابقة التي لا تتحقق إلا بين اثنين، وهذا خلاف المعارضة، فالمعارضة - وإن كانت بين نصين - فهي نسيج واحد دون آخر، أي أنّ الشاعر الثاني (المعارِض) هو الذي يقوم بعقدها من دون شعور الأول (المعارَض) بأنّ هناك من سيعارضه.
(1) ينظر، الإفصاح في فقه اللغة، لحسين يوسف موسى وزميله، ط 2، (دار الفكر،) ، 1/ 154.
(2) ابن منظور، لسان العرب، المرجع السابق، 7/ 167. = مجمع اللغة العربية بمصر، المعجم الوجيز،1324 ه 2003 م، 48. = زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، = زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر مختار الصحاح، (جمهورية مصر وزارة التربية والتعليم) ، ط 5، 21.