فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 87

المطلب الثالث: آراء بعض الباحثين في فن المعارضة:

إنّ كلّ من يدقق البحث في فن المعارضة يرى أنّها قد وجدت قبولا لدى كثير من الباحثين والنقاد، حيث يرون أنّها ما هي إلا ميدانا يظهر الشاعر فيه براعته في محاكاة غيره، حتى أنّك لتجد شاعرا عارض قصيدة شاعر فعزت قصيدته إلى المستوى الذي بلغت إليه الأولى، وربما تفوقت عليها في بعض الأحايين.

والمعارضة تحفظ للشعر العربي مكانته، فهي محاولة لإحياء الشعر العربي وبعثه، فالشعر وإن كان له قابليته للتعبير في بعض أغراضه وفي شيء من شكله ومضمونه - ليلائم العصر الذي يقال فيه - فإنّه مع ذلك؛ ينبغي ألا يتغير في طبيعته وفطرته التي فطر عليها، هذا ما فطن إليه البارودي (رائد الشعر العربي) وشوقي و غيرهما [1] .

ثم نجد المعارضة تسمو بالشاعر، وذلك عن طريق استظهاره ومزاولته لأشعار النابهين من الشعراء، فالمطالعة الكثيرة هي التي سمت بالبارودي ورفعت من شأنه وجلّت من قدره، يقول الدكتور شوقي ضيف:"... وعلى هذا النحو تكاملت للبارودي سليقته العربية بالطريقة نفسها التي كان يصطنعها شعراؤنا في العصور القديمة وفي أعمق هذه العصور، وأقصد العصرين الجاهلي والإسلامي؛ فإنّ الشاعر حينئذ كان يعتمد في تكوين سليقته على استظهار أشعار النابهين من معاصريه وأسلافهم، وما يزال يأخذ نفسه بروايتها وفهمها وتمييز مقاصدها وتبيين مواقع الجمال الفني بها حتى يسيل الشعر على لسانه بالصورة نفسها والألحان المطربة والأنغام نفسها، مذيعا مشاعره ومشاعر قومه، دون أن يحول بينه وبين ذلك عائق من بديع أو غير بديع [2] ".

ونجد الدكتور عبد المنعم خفاجي يقول:"وتكتنف الأدب العربي قديمه وحديثه، معارضات شعرية في غاية الطرافة والجدّة، وقمّة النضج الفكري والروحي، وتعتمدها الشعراء على اختلاف إرهاصاتهم لإطلاق ما في نفوسهم من إيحاءات الوجدان، وكشف ما يخالجهم من فيض القدرات على معرضات ومباريات، ألقت ظلالا مديدة على رياض الأدب، وأغنت دولة الشعر، على ترادف العصور، إضافة"

(1) ينظر شوقي ضيف، (الدكتور) ، فصول في الشعر ونقده، ط 1، (دار المعارف، 1971 م) ، 74.

(2) شوقي ضيف، (الدكتور) ، البارودي رائد الشعر الحديث، ط 4، (دار المعارف،) ، 98 - 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت