ومع ان البحث في الموقف الايجابي عند الدكتور ضيف يشمل مرحلة ما بعد العصر العباسي ولاسيما القرون الثلاثة الأولى بعده، إلا أنه يشمل أيضًا موقفه ورأيه بما قبل ذلك، أي منذ دخول البويهيين بغداد سنة (334 هـ) ، ولاشك في ان هذا الدمج يصل بالدارس إلى اللبس أو الخطأ في التقويم. إلا أنني وقفت على كتاباتٍ نشرت للدكتور ضيف تحت عنوان (عصر احياء التراث العربي وتجديده) في مجلة الرسالة، وفي هذا المقال نجد شواهد الموقف الايجابي واماراتهِ واضحة في رصد جملة من الملامح التي تسير ضمن أطار الاعجاب والاستحسان، وأول الأمر يرى الدكتور ضيف أنه من الظلم وسم هذا العصر بـ (عصر الانحطاط) أو (عصر الاعياء الفكري) وحتى (العقم الشديد) ، ومع انه يشير للنهضة العلمية والأدبية التي كانت عليها بغداد وما أصابها بعد سنة (656 هـ) في شيء من العطل فأنهُ يصبُّ مجرى حديثه عن الحياة العقلية والفنية والأدبية التي ظلّت ناشطة في الديار الشامية والمصرية، ومما دفعها إلى التوهج توهجًا قويًا، ان هذه البلاد كانت ملاذًا لعلماء صقلية وادبائها منذ سقوط جزيرتهم في ايدي النورمان من جهة، وادباء الأندلس وعلمائها منذُ أخذت مدنهم تسقط في قبضة الأسبان من جهة أخرى، الأمر الذي هيأ لوجود نهضة ثقافية وأدبية محققة لاسيما وان دور العلم والمعرفة تنوعت تنوعا واسعًا، وانه أخذت تنشئ مدارس ومعاهد تعنى بهذا الفرع او ذاك من فرع العلم والمعرفة [1] . ويستدل الدكتور ضيف على ذلك في ذكر الكثير من العلماء والادباء والمؤرخين ودورهم البارز في هذهِ النظرة، الذين قادهم على نمائها وازدهارها عملان رائعان-على حد قوله-هما:
الأول: الحفاظ على التراث العلمي والأدبي
الثاني: تجديد هذا التراث وتنميته [2] .
وبعد ان انطلق من التراث في تحقيق الوصف الدقيق لهذا العصر يستدرك ان العلماء في مصر والشام لم يتركوا (( وسيلة إلى الرجوع بالتراث العربي إلى الحياة التي سلكوها في موسوعات صغرى وكبرى وفي شروح مطولة ومختصرة تجمع مادته وتستقصيها ... نافذين إلى شرحها واختصارها في متون ... بحيث يتقنونها فهمًا ودرسًا وتأويلًا وتفسيرًا إلى ابعد حدود الاتقان ) ) [3] .
(1) ينظر: مجلة الرسالة/العدد 23: د. شوقي ضيف:7 - 8 - مقال (عصر احياء التراث العربي وتجديده) .
(2) ينظر: المصدر نفسه.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 10 - 11.