فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 180

في الشاعر حمادي نوح [1] انه من شدة ولعه باصول اللغة، تسربت الفاظ غريبة وغامضة الى شعره، مما جعل معاصريه يأخذون عليه هذه الطريقة في الشعر فيجيبهم اجابة تنمُ عن هذا الولع الشديد. يقول الدكتور البصير: (( وكان كثير الحفظ للغة؛ سأله ذات يوم احد اقاربه عن القاموس، فأشار الى صدره وقال له:(هذا هو القاموس سِل عما تريد) وقد اثرت سعة حفظه لمفردات اللغة على شعره فكثر فيه الغريب وغلب عليه الغموض، وقلت روايته بين الناس، وقد نبه الى ذلك فقال: (( ان عليه ان يؤدي واجبه وليس عليه ان يفهم الناس! ) ) [2] .

ويذكرنا جواب الشاعر نوح بجواب ابي تمام (ت 231 هـ) المشهور حين قال له احدهم: لم لا تقول يا ابا تمام ما يفهم؟ فقال له: وانت لم لا تفهم ما يقال؟ [3] . ومن ارائه في الشاعر حسن محمد القيم [4] قوله: (( اما شعره فانه فصيح اللفظ شديد الاسر جميل السبك، تقرأه فتتبين في سهولة تامة ما لصاحبه من عناية فائقة بتهذيبه وتنقيحه، وتنقده فلا تجد فيه بيتًا يمكنك ان تضع مكانه بيتًا، او لفظًا يمكنك ان تضع مكانه لفظًا ) ) [5] .

ومما تقدم يتضح لنا مقدار التفاوت بين لغة الشعراء، فمنهم من عمد بشعره الى الالفاظ المعجمية، وبين من يكدّ ذهنه ويجهد نفسه في تهذيب شعره وتنقيحه لكي يكون أكثر وضوحًا وافصح بيانًا.

ولا غرابة ان يرى الدكتور حسن دخيل ابان دراسته لواقع النثر العراقي في القرن التاسع عشر ما يؤكد ذلك ألا أنه يعزو هذا الأمر إلى محاكاة الأدباء العِظام وبغيتهم في اقتناص اللفظ والعبارة الغامضة إذ يقول: (( ومال بعضهم إلى الأغراب في اللغة، وإلى الاكثار من الألفاظ الشاردة والمعفونة في بطون المعاجم أو تلك التي وردت في الشعر القديم، وقل استعمالها. ومنهم من شغف بالتعقيد والتواء العبارة والغموض في المعاني وقصد إليه قصدًا، وعد ذلك ضربًا من المهارة في الكتابة ونوعًا من التمكن في ادائها فجاءت عباراته ألغازًا واحاجي يصعب فهمها وادراك معانيها، فقد تأثروا في

(1) هو الشاعر محمد بن سلمان بن نوح. ولد في الحلة حوالي عام 1819 وتوفي عام 1907. ينظر نهضة العراق الادبية: 130 ـ 134.

(2) نهضة العراق الادبية: 133

(3) ينظر ابو تمام الطائي، اخضر الطائي، مط الجمهورية، بغداد، 1966: 105

(4) ولد الشاعر في بغداد عام 1861 م ونشأ في الحلة واقام فيها. توفي عام 1901 م. ينظر معجم الشعراء العراقيين: 112

(5) نهضة العراق الادبية: 305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت