فهرس الكتاب
وفي موضع آخر عمد الأستاذ الوائلي إلى تصنيف الشعراء في هذه المرحلة إلى ثلاث طبقات من حيث المستوى الثقافي، (( فطبقة منهم كانت موفورة الحظ من الاطلاع على اللغة والادب الى جانب الدراسة الدينية وما يتبعها من العلوم اللسانية وطبقة اخرى كانت على شيء لا بأس بهِ من الاطلاع والدراسة والحفظ، ولكنها دون سابقتها في سعة الافق، ومنهم طبقة لم تكن معروفة بالدراسة المألوفة فيما عدا اليسير من النحو وغيره والاطلاع القليل على مصادر الادب القديم، ولكنها كانت تمارس الشعر بدافع من الذكاء وبما اتيح لها من مخالطة واستماع ) ) [1] . ولكنه لا يجعل سعة الاطلاع وحدها المقياس في إجادة الشاعر، وانما ميزة الشاعر برأيه في قدرته على رسم التجربة بما يلائمها من الالفاظ الدالة والموحية [2] ، ويستدرك ايضا ان كثرة الحفظ قد تربك الشاعر وتوقعه في حيرة واضطراب، ويضرب لذلك مثلين من شعراء الغرب هما (شيللر وغوتيه) اللذان قيل في اولهما: (( إن الالفاظ التي استعملها في قصائده ورواياته الشعرية كانت قليلة ولكنهُ بهذا القليل استطاع ان يؤدي معانيه احسن اداء واجمله، على حين كان غوتيه معاصرهُ وزميله مثريًا من اللغة، ولكن كثيرًا من شعرهِ لا يخلو من الغموض المتعب ) ) [3] ويعرج الوائلي، بعد ذلك الى تقسيم الشعراء إلى ثلاثة أقسام، من حيث الشاعرية ومدى تأثر شعراء كل طبقة بما يملكوه من مخزون لغوي وثقافي فيقول: (( فقد يكون من هولاء من استحوذت عليه اللغة بمفرداتها الغريبة وكلماتها الخشنة فذابت شاعريته خلال تلك المفردات والكلمات، وقد يكون منهم من آثر جانب الشاعرية المحضة على تلمس الغريب من المفردات، فجرى على سجيته غير متكلف ولا متوعر، غير انه كان الى جانب هذين الفريقين فريق ثالث لا يمكن ان يوضع إلا في عداد النظامين المتكلفين، ولكنه تكلف من لا رصيد له من اللغة وسلامة الاداء، ولعل من نوع(غوتيه) في الاثراء اللغوي وذوبان الشاعرية في وهج المفردات الغامضة عثمان بن سند البصري ـ اذا صحت الموازنة ـ فأن هذا الشاعر قد اغرق في استعمال الغريب، مع سعة إطلاعه على اللغة، حتى فقد اوكاد يفقد ـ عنصر الاصالة بما استعمل من مفردات متوعرة لا تنسجم مع موسيقى الشعر واساليبة الصحيحة او لا تتفق مع
(1) الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر: 278.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 279.
(3) ينظر: لغة الشعر العراقي في القرن التاسع عشر: 278.