إذا ألا يجوز للشاعر ان يصف الانهار ويخاطبها او يصف مشاعره تجاها؟ إلا أننا نجد السياب وهو من الشعراء المعاصرين للناقد البصري، والذي يعجب بشعره، وقد كتب مؤلفًا كاملًا عنه، يخاطب نهر بويب مخاطبة العاقل والسامع لقوله، حين يربط بين مياة النهر الجارية، ودموع الحزن التي لا تتوقف عن الجريان، حتى ذهب الخيال بالشاعر الى تصور ما تحدثه هذه الدموع من المياة التي تستحيل نهرًا بقوله: أ غابة من الدموع انت ام نهر؟ [1]
ان هذه الصورة لم يتعرض لها أي من النقاد للتقليل من شأنها بل العكس هو الذي حصل، اذ اشاد لكثير من النقاد ببراعة السياب وجمال صورته في هذا الخطاب الشعري، وما هذا إلا خيال الشاعر لما يجول بخاطره [2] ، ان حرية الشاعر في تعامله مع موضوعه أمر يقره النقد الحديث، ويجعل تفوق الشاعر فيه موكولًا الى مقدار نجاحه في التعبير عن الفن بحدود ما تبيحه له الحرية الفنية من استخدامه لالفاظ اللغة والعلاقات التي يمكن ان تنشأ بين تلك الالفاظ وما يصاحب ذلك من خيال واسع وصور حية وموسيقى ملائمة.
ومن النقاد الذين تصدوا لدراسة الصورة في هذه المرحلة الدكتور علي عباس علوان، وعنده ان انحطاط الخيال لدى شعراء هذه المرحلة يمثل اولى ظواهر العقم الفنية في شعرهم. ويقف من الخيال عند جانبين: الاول طبيعته، والثاني نتاجه (الصورة) .
وبعد ان يحدد مفهوم الخيال عند الفنان وعند الانسان الاعتيادي يخلص الى القول: (( ان شعراء العراق في هذا القرن لا يمتلكون هذا الخيال ذا القدرة المتمكنة من توحيد الاشياء. فلا يختلفون كثيرًا عن الناس العاديين في تخيلهم ) ) [3] . ويرىذلك ببيت قاله عبد الغفار الاخرس وهو:
أَلمْ تَرهُم صَرْعى كأنَ دماءهم ... تسيلْ كما سالتْ معتقةُ الخَمْرِ [4]
اذ يرى انه حتى الرجل الاعتيادي لا يصل الى هذا المستوى الهابط. اذ يقول فيه: (( وبغض النظر عن اوليات الصورة التي نعرفها من ان اشاعر العراقي يصف قتل العراقيين على يد الوالي نجيب باشا، وبغض النظر ايضًا، عن الضعف في
(1) ديوان بدر شاكر السياب: دار العودة، بيروت / 1971: 454.
(2) الحركة النقدية حول شعر القرن التاسع عشر في العراق: 143.
(3) تطور الشعر العربي في العراق: 38
(4) ينظر: المصدر السابق:38 والطراز الانفس: 169.