التركيب الذي وقع فيه الشاعر حين اضاف الصفة للموصوف (( معتقة الخمر ) )وكان يقصد (الخمر المعتقة) فأن خياله غير المبدع لم يسعفه حين تحدث عن (مسيل الدم) غير ان يقدم صورة في اللون فحسب (فدم القتلى في حمرته يشبه الخمر المعتقة) اما حركة (مسيل الدم) فقد كبا عنها الخيال العادي، فلم يستطع ان يختصر الجزئيات ويقدمها في صورة متوحدة كاملة )) [1] ومما يبدو لي في حديث الدكتور علوان عن الخيال لدى الشعراء، واهميته في عملية الابداع، في المثال الانف الذكر وغيره من الامثلة التي استعان بها الناقد للدلالة على ضعف الخيال لدى شاعر العصر، ليس مقياسًا يعتمد في تقويم خيال الشعراء لانه لا يمثل إلا جزءًا قليلًا من نتاج اولئك الشعراء ولم يمثل شعرهم كله. ولاسيما أننا لا نجد ذكرًا لقصائد اتسمت بالخيال الواسع والقدرة الفنية على ابتكار الصور الموحية قصائد متمثلة على سبيل المثال باشعار السيد حيدر الحلي ومحمد سعيد الحبوبي، والاخرس وغيرهم، وهكذا يتراءى لنا الحكم الذي اطلقه الدكتور علوان بهذا الشكل العام الذي لا استثناء فيه، اذ لم يكتف بوصف الأبيات وانما جعل ذلك قاعدة وقاس عليها الشعر جميعه. ومن ثم يعقد الدكتور علوان موازنة بين الشاعر محمد سعيد الحبوبي وشعره في وصف المرأة وربطها بمرائي الطبيعة، وبين شعر السياب وابياته التي يصف فيها عيني حبيبته وهو يرحل عنها مشردًا بقوله: (( عيناك غابتا نخيل ساعة السحر .. ) ) [2] ليكون الاخير شاهدًا على الفرق في قوة الخيال لدى الشاعرين دون ان يذكر الدكتور علوان ما يسوغ له في ان يبني احكاما يعممها على شعراء العصر جميعهم وهي أحكام قائمة على ابياتٍ مفردة في اكثر الاحيان وقليلة ليخلص القول بعد ذلك الى نتيجة مفادها أن مخيلة شاعر العصر (( نظرية الادب صناعية غير ماهرة تبدو في اضعف اشكالها وفي اسوأ درجاتها قدرة على التركيب والتجديد ) ) [3] . أما تشبيهاتها فأنها تبدو ساذجة تتصف بالفجاجة على حد قوله، ويطبق هذه الاحكام على ابيات للشاعر الحبوبي، وهي:
صُبْحُ محياكَ بليل العذارْ ... اسفرَ أم ليلٌ بدا في نهارْ
(1) تطور الشعر العربي الحديث في العراق:38
(2) ينظر تطور الشعر العربي الحديث في العراق: 40 وديوان السياب: 474.
(3) المصدر نفسه: 44.