الكامنة فيها. فهم يريدون ان يبينوا انهم قادرون على ان يتصرفوا في اللغة الى حد يمكنهم من التفنن في مادتها واستعمال اداتها [1] .
ومن عالم البديع الذي ولج به الأدباء في العصر وفق ما مرَّ ذكره، الامر الذي اسفر عن ولادة فن جديد في فنون الادب العربي عرف بـ (البديعيات) ، وهي القصائد التي نظمها اصحابها في علم البديع وتعد: (( من ابرز صور هذا العلم، ظهرت في القرن الثامن الهجري واستمرت حتى القرن الرابع عشر، غرضها المديح النبوي، وغايتها جمع انواع(البديع) ضمن ابياتها، نوع في كل بيت، يصب ذلك كله في قالب من البحر البسيط وروي الميم المكسورة، هذا القالب الذي اشتهر من خلال (بردة البوصيري ) )) [2] .
اختلفت وجهة الباحثين حول مبتكر هذا الفن وأول ظهوره، إلا أن الحقائق تشير إلى أن الشاعرالشاعر السليماني الاربلي (ت 670 هـ) ، اول من ابتكر هذا الفن الجديد الذي انطلق من العراق بعيد زوال الخلافة ليفتح المجال للشعراء العرب فيما بعد الى مجاراته. وللنقاد المحدثين نظرتهم لهذا الفن (البديعيات) الذي اصبح صورة للذوق العربي في عصر تعلق به وادى الى استمراره وازدهاره حقبة تقارب السبعة قرون. وللدلالة على منزلة البديع قي هذا العصر انه لم يتصد لنظم البديعيات إلا المقتدر من الأدباء على حد قول الدكتور علي ابو زيد [3] . مضيفًا إن الشاعر (( اذا بلغ من الشهرة غايتها، ومن المعرفة والمقدرة الشعرية أوجها، يهم صوب"البديعيات"ليدلي بدلوه فيها ويخرق ما استطاع منها، وكأنه يرى ان تمام الشاعرية، و أكتمال الشهرة لا يتأتيان له إلا إذا أثبت في ميدان(البديعيات وجوده ) ) [4] .
ويرى الدكتور شوقي ضيف ان لولا للبديعيات من (( مواقف كانت تجاها وإقبال كان عليها، لما استطاع هذا الفن الطريف من الاستمرار هذه المدة الطويلة والانسياق على اصقاعٍ مترامية في ارض اللغة العربية، وما توارد كبار الادباء عليه ونابهو الشعراء على خوضه ) ) [5] . فيما ترى الباحثة بلقيس المحيمدي، حرص كل شاعر على ان يحشر في بديعيته أكبر عدد من فنون البديع، وان من اشهر
(1) المصدر النفسه: 60
(2) البديعيات في الادب العربي، د. علي ابو زيد، بيروت / 1983 م
(3) المصدر نفسه: 33
(4) البديعيات في الادب العربي، د. علي ابو زيد، بيروت / 1983 م: 218
(5) البلاغة تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف، دار المعارف بمصر / 1965: 36