ويرى ان ذيوع هذه الظاهرة في شعر الحقبة يعود الى سببين: اولهما: إن الشاعر اراد ان يثبت تواصله مع الموروث الشعري العربي في زمن قاسٍ وصعب اراد الدخلاء فيه تشويه معالم النهضة العربية، والاساءة الى تراثها الانساني الزاخر. وآخرهما: ان الشاعر متهمًا بقلة اطلاعه على اللغة والآداب وضعف قدرته الشعرية واراد من خلال التضمين ان يثبت شاعريته بمجاراته القصائد المعروفة [1] .
ووصولًا الى القرن التاسع عشر للميلاد نرى الدكتور محمد مهدي البصير يقدم لنا تعليلًا لهذه الظاهرة ضمن دراسته المعنونة (نهضة العراق الادبية في القرن التاسع عشر) في ترجمته للشاعر ابراهيم الطباطبائي، التي تستحق الوقوف عندها في تعليل ورود اسماء الاماكن القديمة في شعره: (( ان المترجم(له) لا يذكر اسماء هذه الاماكن في شعره تقليدا لمن سبقه من الشعراء وانها لم تكن في كلامة الفاظًا ميتة لا تعني شيئًا، وانما هي عنده كلمات رمزية فهو يقول (توضح) ولكنه يعني النجف، ويذكر (الجزع) ولكنه يريد السماوة، ويحن الى (العقيق) ولكنه يريد دجلة أوالفرات، اوهما معًا )) [2] .
بيد ان الكثير من النقاد الذين كتبوا في شعر القرن التاسع عشر والحقبة التي سبقت عصر النهضة الحديثة، وجدوا ان ظاهرة التقليد لا تمثل سوى عجز الشاعر وعدم تمكنه من لغته او التصرف بزمام امورها وانها ليست الا اجترارًا واعادة لا قيمة لها على وفق ما جاءت به آراؤهم ونظراتهم النقدية.
اذ يرى الاستاذ عبد الكريم الدجيلي في محاضراته عن الشعر العراقي ان بناء القصيدة التقليدي لم يطرأ عليه تبديل او تغيير، إذ كان لزاما على الشاعر ان يبتدئ القصيدة بالغزل او النسيب او وصف الفرس او الناقة، بحيث تكون الابيات الثلاثة المتمثلة (بالمستهل والتخلص والختام) بارزة عن بقية ابيات القصيدة، وهو تقليد لا يتخلص منه شاعر مهما ارتفع أو هبط [3] .
وعلى الصعيد نفسه تتفق معه الباحثة عربية توفيق لازم في سلوك الشعراء للمنهج القديم الذي رسمه اسلافهم للقصيدة العربية وهي تقول: (( من ذلك ان الشاعر يلتزم دائمًا بأن يبدأ قصيدته بالغزل او النسيب او وصف الفرس او الناقة او
(1) الشعر العراقي في النصف الاول من القرن الثامن عشر، رسالة دكتوراه، محمد سلمان البدران، بغداد، آداب: 164 ـ 165.
(2) نهضة العراق الادبية: 153.
(3) ينظر: محاضرات عن الشعر العراقي الحديث: 7.