من ابرز خصائص العصر وسماته من غير التطرق إلى أسباب شيوع هذه الظاهرة أو العوامل التي تكمن ورائها.
فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل كان وقوف هؤلاء الأدباء على ظاهرة التقليد وقوفا صرفا مجردا ام انه يمثل تمازجا مع قضية التراث واصولها الحضارية ضمن التجربة الابداعية؟ وهل ان اتكاء الأديب على الموروث وتمسكه بالقديم نفى عنه صفة التجديد والابداع في الشعر حقا؟ ان ما اراه في هذا القول اجده بعيدا عن جادة الصواب واستنتاجا غير منصف إذ حوت هذه المرحلة شيئا من الابداع وانتجت مجموعة من الفنون الشعرية المتطورة وغيرها مستحدثة هي وليدة العصر أشار إليها اكثر من باحث وناقد مفصلة وموجودة في كتب الباحثين الآخرين [1] .
واني أرى ان تعامل شاعر العصر مع التراث يمثل أشاره للترابط الحضاري بين الماضي والحاضر وإذا أخذنا بعين الاعتبار تعامل الشاعر مع هذا الموروث بعيدًا عن العواطف او النظرة الذاتية.
وحينما وجد الدكتور عناد اسماعيل الكبيسي ان الحديث عن هذه الظاهرة قد كثر وسار في اتجاه القدح والانتقاص من شاعرية اصحاب التقليد انبرى للرد على هذه التهمة. وتفنيد رأي القائلين بها فكتب بحثًا بعنوان (( حول ظاهرة التقليد في شعر القرن التاسع عشر ) ). مشير إلى هذه الظاهرة من حيث اشكالها الفنية.
ووجد في احد اشكال هذه الظاهرة التخميس والتشطير اللذين قال فيهما: (( فالتخميس والتشطير بنظر الشعراء-لا يخرج عن كونه مجرد اعجاب بهؤلاء اللذين يخمسون لهم ويشطرون فكانوا يستوصون النماذج الرائعة في الأدب العربي تلك التي لها ماض عريق في الفن يخمسونها ويشطرونها إلى سبيل الاعجاب والاثارة ) ) [2] .
أما مسألة الوقوف على الاطلال وذكر الاماكن القديمة فلا يختلف الدكتور الكبيسي فيها كثيرا عما علل بها الدكتور البصير هذه الظاهرة من ان ورود تلك الاسماء في الأدب من انها رموز يذكر بها الشاعر قارئه بما توحي به من مجد وعز وفخار [3] .
ان ما وصم به الشعراء في هذا العصر من تقليد واجترار لمعاني القدماء وطرائقهم في التعبير وفق طريقة (الرأي المعد سلفا) أوهم الدارسين ان هذا الأدب لا
(1) ينظر على سبيل المثال: أدب الدول المتتابعة: 455 - 456. والأدب العربي في العصر الوسيط.
(2) مجلة الجامعة المستنصرية ع 4/ 1974 مقال حول ظاهرة التقليد في القرن التاسع عشر: 75.
(3) حول ظاهرة التقليد في القرن التاسع عشر (المجلة المذكورة) : 66.