وهناك قصائد أخرى أكثر رقة واجمل صورًا منها قصيدته التي يقتبس فيها شيئا من شعر أبي نؤاس-التي لم تبدأ بمقدمة تقليدية في الغزل والحنين [1] . وهذا ما يؤكد ثقافة الشاعر وتأثره بمن سبقه من الشعراء ومحاكاته لشعرهم، منه قوله:
عندي لأجل فراقكم آلامُ ... فالامَ أعذل فيكم والامُ
من كان مثلي للحبيب مفارقا ... لا تعذلوه والكلام كلام
ان كنت للاحبه فاقدًا ... أو في فؤادك لوعه وغرامُ
قف في ديار الظاعنين ونادها ..."يا دار ما فعلت بك الايام" [2]
أن مثل هذه الأمثلة تؤكد شدة اسى الشاعر ولوعته وحسرته على ما مضى من أيام، طويت صفحاتها، وبقيت نارها مستعرة لا يهدأ سعيرها مهما بعد الزمن.
ومن الجدير بالذكر ان صورة الأسى في بغداد، على ما نابها من ضيم وتدمير وخراب، ثم ذكر مآثرها الخالدة وما آلت إليه من أسى في تلك الحقبة، بقيت تتجدد على مدى قرون عديدة بعد شمس الدين، فالشاعر عبد الغني جميل [3] الذي عاش في القرن التاسع عشر، يروي عنه الأستاذ الوائلي في معرض حديثه عن شعراء القرن التاسع عشر، القول: (( ويسجل عبد الغني جميل تاريخ بغداد السياسي قي عصره تسجيلًا واضحا، لا يحتاج إلا لشيء من الصراحة في ذكر المسميات من الأشخاص الذين يحكمون، وذلك في قصيدة صور بها الظلم الذي عم الناس، والخراب الذي شمل البلاد، منها قوله:
لهفي على بغداد من بلدة ... قد عشعش العزُّ بها ثم طارْ
كانت عروسا مثل شمس الضحى ... لمستعيرٍ حُليها لا يُعازْ ... .
الخ الأبيات )) [4] .
(1) الشاعر شمس الدين الكوفي (الجلة المذكورة) : 108.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 108.
(والعجز بين الاقواس) مأخوذ عن صدر بيت مشهور لأبي نؤاس هو:
يا دار ما فعلت بك الايام ... ضامتك والايام ليس تضامُ
ينظر: ديوان أبي نؤاس، ط دار الكتاب العربي-بيروت: 407.
(3) عبد الغني جميل: شاعر ولد في بغداد سنة 1780 م وتوفي فيها عام 1863 م. ينظر: تاريخ الأدب العربي في العراق: 2/ 328.
(4) ينظر: الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر: 268، وينظر: مجموعة عبد الغفار الأخرس: عباس العزاوي شركة التجارة والطباعة المحدودة/بغداد/1949 م: 123.