حياة الدعة والتعطل، وانه كان يرى من حقه على الناس أن يحملوا إليه كل ما يحتاج من أسباب العيش )) [1] . إلا أنه يعود ويعرج على نشأة البوصيري في كنف أسرة فقيرة [2] ، الأمر الذي اضطره إلى السعي في طلب الرزق منذ صباه.
يقول الناقد محمد عبد المنعم خفاجي مستدركا عن العصر وأثره في طبيعة الشعر في تلك المرحلة، أن الشعراء قد أصابهم في هذا العصر من الفقر والحرمان، وسوء الحال الكثير فكثرت شكواهم، وصوروا في شعرهم ما كانوا فيه من ألمٍ ومسغبة [3] .
وفي هذا ايضاح لبعض مواقف الشاعر لما جاء في شعره من شكوى وحرمان او طلب عطاء.
وقد عرف عن البوصيري النزاهة والعفة، لذلك تجده هجا المستخدمين في الدولة ونقدهم في شعره بعد ان استشرى الفساد في نفوسهم. وقد عرف هذا عنهم حين عمل معهم وخالطهم، يقول الشاعر:
ثكلت طوائف المستخدمينا ... فلم ارَ فيهم رجلًا أمينا [4]
ويرى المحقق كثيرا ما يخرج البوصيري في مدائحه للولاة بالدعابة المضحكة التي تترك أثرها في النفس، ويصور حياته وما فيها من ضيق وبؤس، مصورًا بيته وقد خلا من الطعام والفراش والضروريات، سوى أولاد جياع ملتفين حوله، ويطنب في ذلك ليستدر عطف الممدوح، وقد يسوق في اثناء ذلك قصة وقعت له مع زوجته، أو مع بعض الناس في أسلوب ساخر، حتى كأنك ترى بعينك ما يقع عليه، ويمزج بين الجد والهزل، ويتبرم بالشيخوخة والمرض، وكثرة الأولاد، ونكر الأصحاب، وينتهي من ذلك إلى طلب الأحسان، فكانت مدائحه ولاسيما التي نظمها في أواخر حياته يغلب عليها هذا اللون [5] . وحبذا ان نذكر في هذا الموضع بعض الأبيات من قصيدة رفعها البوصيري إلى أحد الوزراء يصف فيها حاله وحال عياله، وهي:
إليك نشكو حالنا أننا ... عائلة في غاية الكثرةْ
أحدِّث المولى الحديثَ الذي ... جرى عليهم بالخيط والابرةْ
(1) المصدر نفسه: المقدمة 10.
(2) ينظرالمصدر نفسه: المقدمة 11.
(3) تنظرالحياة الأدبية بعد سقوط بغداد: 86.
(4) ينظر: ديوان البوصيري: 41.
(5) ينظر: المصدر نفسه: 39.