فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 180

تكن باهتة قاتمة اللون، فهي تختلف عن صور الشعراء الآخرين المعاصرين له، إلا انها صور صادقة، فهي قد تصور حياة اللهو والمجون والخلاعة، كما تصور وصفه للزهد والاستقامة. وفي هذا العطاء الثر الذي أتى به الشاعر في أغراضه المتعددة التي جاد في أكثرها وفي اللغة المنقادة السلسة التي لا يتكلفها، لا يهمه أن يكون اللفظ عاميا أو يكون فصيحا، لذلك قالوا عن شعره قديما: لأنه المطرب والمرقص على الحقيقة )) [1] .

وبعد انتهاء رحلة المحقق في شعر ابن دانيال وبيان اهم خصائصه، لم يوضح لنا كيفية تأثر الشاعر بالفحول السابقين أو معارضته للمتنبي، مما يجعلنا ان نتصور مبالغته في قدرات الشاعر، ولاسيما انه لم يذكر أيًا من الأمثلة التي تؤكد زعمه، إلا أننا نرى دورًا للمقومات، أو العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية، التي تترك بصماتها الأثر الكبير في رصد موهبته أو رصفه للمتناقضات التي أزدحمت في نفسه وكان لها الأثر في شعره.

وقد قَدِم الناقد إبراهيم حمادة على تحقيق نصوص ابن دانيال التمثيلية الثلاثة في كتابه الموسوم (خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال) ، وقد تعرف بـ (البابات) أيضًا، وهي: (طيف الخيال، عجيب وغريب، والمتيم، والضائع اليتيم) وهي من أقدم النصوص التمثيلية التي كتبها رجل عربي على هيئة خيال الظل [2] .

ويرى محقق تمثيليات ابن دانيال: أنه كان صاحب قريحة أدبية، يتضح فيها اتجاهه في تحقيق ذاته الأدبية، ونفاذ بصره في فن خيال الظل، وما ينبغي له من صرفية في التأليف والحركة، متوغلا في نفسه قبل ان يقدم إلى القاهرة، فيتضح تصويره للاحداث، أو المقطوعات الشعرية، التي تتسم بملامح شاعرية أصيلة، كان من الممكن ان تخلق تراثا شعريا جادا ان لم يصحبها مثل زمانها من احداث أو وقائع طبعتها بالخفة، والتعبير عن المرح والفكاهة مقترنة بالصورة الجميلة الواقعية، وبألفاظ تغلب عليها العامية في بعض

(1) المختار من شعر ابن دانيال: 22، وينظر: فوات الوفيات: 2/ 387.

(2) خيال الظل، أو النشاط الخيالي: هو ضرب من السلوك، يعالج الصور على مستوى ذهني، أي انه يتخيل واقعة أو حادثة، وشكلا أو صورة أو مجموعة من الصور، ويكون له دور المبدع، فضلًا عن المعالجة الفنية، والذهنية لافكاره، واستدلال النتائج من المقدمات، ومن خلال القدرة على ابتكار الصور وتنميتها، وصولا إلى تحقيق غاية معينة او هدف محدد وهي بناء القصة التي يدير من حولها نشاطه. الاسس النفسية للابداع الفني في الشعر المسرحي، عبد الحميد صنورة، مطلع الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت