سلم الأدب العربي الرفيع، ولما يرتأيه النقاد في مجالات الكشف عن ابعاده الشعرية، أو مدلولات مضامينه الفكرية الفنية في تعداد مظاهر ابداعه الشعري.
ومن الدراسات التي وقفت عند الحبوبي وقفة مطولة دراسة محقق ديوانه عبد الغفار الحبوبي، و لاسيما تحديده عوامل موهبة الشاعر وابداعه الشعري وطبيعة شعره فضلا عن وقوفه على أهم خصائصه الأسلوبية والفنية، وبعد ترجمة وافية عن حياة الشاعر، يحدد المحقق جملة من العوامل التي اسهمت في تغذية شاعرية الحبوبي، وصقل موهبته وأكبارها، الأمر الذي جعله يبحث في جذورها والتقصي عنها، إذ ان هذه الموهبة لا يمكن ان تظهر للوجود ما لم تتوافر لها مجموعة من العوامل المتآزرة التي تكسب الفنان الاصالة والتفرد في مكونات شاعريته:
1 -العامل الأول: عامل (الدربة) الذي يأخذ بيد الفنان لتضعه في الموضع الصلد الآمن. كما ساعده على ذلك كثرة قراءاته واطلاعاته على الدواوين الشعرية الكثيرة، بدءا من الشعر الجاهلي وشعر صدر الاسلام والعصور الأموية والعباسية وما بعدها، فتزود من زادهم الفكري والشعري، وعليه نمت موهبته الشعرية، وطل على عالم الشعر والابداع بعد ما نهج الحبوبي نهج الشعراء الذين تأثر بهم، ولاسيما الشريف الرضي ومهيار الديلمي، ليقف على ما في شعره من الاشارات الدالة على ثقافته المتنوعة وأثر القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وعلوم التاريخ والفلك والقصص من ملامح لا تخطؤها عين الناقد [1] .
2 -العامل الثاني: البيئة النجفية الأدبية، فقد حفلت هذه المدينة بحركة أدبية وعلمية واسعة كانت سببًا في تشجيع المواهب وتغذيتها. فقامت بها نهضة شعرية تابع فيها عدد من الشعراء الذين يشار إليهم بالبنان حتى قيل عن الشعر في الاساس هو عراقي، بل هو فراتي، بل هو نجفي وكانت المجالس العلمية والأدبية التي تعقد في هذه المدينة كثيرا ما تردد عليها الحبوبي، فهي أول ما ألهمته وأيقظت مواهبه الشعرية وغذّت ملكاته الأدبية [2] .
3 -العامل الثالث: اقامته في نجد وإعجابه بطبيعتها وأهلها وهوائها، وما فيها من آثار واماكن غرست في نفسه بعض الخصال الحميدة وتركت آثارها واضحة على شعره. فـ (نجد) غذّت الحبوبي (( بفضائل عربية بدوية تمكنت من نفسه طوال سني حياته، ... .وإذا بشعره يفيض بهذه الفضائل البدوية، فهو شعر واضح وضوح البادية، صاف
(1) ينظر: ديوان السيد محمد سعيد الحبوبي: 46 - 68.
(2) المصدر نفسه: 69 - 70.