وقوله: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} فيه إثبات صفة المناداة لله -جل وعلا-، لذلك {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} ، وهذا يدل دلالة واضحة على إثبات صفة المناداة لله -جل وعلا-، وهذا يعني إثبات صفة القول والكلام لله -جل وعلا- فنثبت لله ذلك إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وقد أنكر ذلك الجهمية والمعتزلة وغيرهم، فمنهم من قال بأن هذا مجاز، ومنهم من قال بأن هذا عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله، وهذا يعني أن الله -جل وعلا- يلهم الرسل إلهامًا، ولا يخاطبهم، وهذا في الحقيقة إبطال لحقيقة الرسل، وأنهم لا يخاطبون ولا يكلمون، يخلق فيهم الخير خلقًا، وتخلق فيهم الأوامر والنواهي خلقًا، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، وهذا الحقيقة يقتضي إبطال حقيقة دعوة الرسل، وهذا يعني أن كل شخص يقول خلق فيه الخير ويقول (أنا رسول) ، لأنه ما أوحي إليه، {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} فبالتالي الرسالة لا تكون إلا بالوحي، فهذا حينما يدعي بأن الله لا يتكلم وبأنه يخلق الخير، إذن يتشكك فيما خلق الله؛ إذًا كيف نميز بين الرسول حقيقة وبين المبطل حقيقة، كل منهما يدعي بأنه قد خلق فيه الخير، ولكن ماذا قال ورقة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث في الصحيحين: (( هذا الناموس الذي يأتي وما بعث الله نبيًا ولا رسولًا إلا أتاه هذا ) )، فهذا متفق عليه في كل الشرائع في كل الرسالات، وهذا أمر أجمع عليه العلماء واتفقت عليه الشرائع كلها، ودلَّ عليه العقل والنقل، ولذلك قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} ، لا تتأتى الرسالة إلا بثلاثة أمور وقد توجد كلها في رسول: تارة يكلمه، وتارة يرسل إليه رسولًا، لكن نجعل كلام الله مخلوقًا، وأن الله -جل وعلا- يخلقه قي قلب العبد، فهذا باطل، ويقتضي إنكار رسالات الرسل، وحينئذ لا نميز بين الرسول الصادق وبين الرسول الكذاب لأنه لن يوحى إليه شيء.