فَصْل
وَقَد دَّخَلَ فِي ذَلِكَ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ؛ كَمَا جَمَعَ بينَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] الآيَة، وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِّن عُنقِ رَاحِلَتِهِ ) ). وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتِابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لاَ يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وَفَوْقِيَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ، وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّه، قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ.
الشرح
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الحديث عن الإيمان بقرب الله جل وعلا من خلقه، وأن ذلك"لا ينافى علوَّه وفوقيته"فالمسلمون يؤمنون بكل ما جاء عن الله على مراد الله، وبكل ما جاء عن رسول الله على مراد رسول - صلى الله عليه وسلم -، ويعتقدون بأن كلام الله حق لا يناقض بعضه بعضا، وأن التناقض يأتي لسوء الأفهام، ونقص العلم، وعدم ضم الأدلة بعضها إلى بعض، فكلام الله حق يصدِّق بعضه بعضًا، ويفسِّر بعضه بعضًا.
ولذلك لا يوجد أحد من الصحابة، ولا أحد من أئمة التابعين يستشكل شيئا من ذلك، ولم يقل أحد من الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم: كيف يكون الله فوق السماء ويسمع كلامنا، ويجيب دعاءنا، أو كيف الجمع بين علو الله وقربه؟ فكانوا يفهمون ذلك ويتجاوبون مع هذه الحقائق، ومن سلمت فطرته من الشوائب لا يشكل عليه شيء من هذه المعاني.
تقدم الحديث عن الإيمان وأنه قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، قول القلب وعمله، وهو حبه وخوفه ورجاؤه وولاؤه وبراؤه، الإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.