بصوت يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه من قرب )) ومعانيه؛ فلا يعبر جبريل عما في نفس الله كما يقول أهل البدع، أو أن الله موصوف بالكلام في الجملة، وجبريل يعبر عما يريده الله مثلما يخلقه في نفسه، هذا كلام باطل.
ولهذا قال أهل السنة ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف كما يقول الأشاعرة والكلابية، فهؤلاء يقولون بأن كلام الله حروف دون معانٍ، وهؤلاء يقولون أن كلام الله المعاني دون الحروف، فهؤلاء وأولئك ليس لهم إلا أن نأتي بنصوص وأدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تدل على بطلان هذا القول ومخالفته للمنقول والمعقول.
تقدم بالأمس أن هذا القول يؤول إلى القول بخلق القرآن وإلى وصف الله بالخرس تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، وإلى إنكار الرسالات والنبوات وغير ذلك، فكلام الله الحرف والمعنى، فقوله -جل وعلا- {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} هذه الحروف تكلم الله بها بنحو ما تقرؤون في القرآن، والمعنى من الله لم يعبر أحد عما يريده الله بكلامه، قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} ، وقال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} ، ولم يكن أحدٌ من الصحابة ينازع في شيء من هذا؛ بل كانوا متفقين على الإقرار بأن القرآن هو كلام الله؛ حروفه ومعانيه، وليس كلام الله حروفًا دون معانٍ كقول الأشاعرة، ولا معاني دون حروف كقول الكلابية، قال الله -جل وعلا-: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} ولم يقل خلق الله، فعلم أن القرآن هو كلام الله، والله -جل وعلا- تكلم بالتوراة، تكلم بالإنجيل، تكلم بالزبور، تكلم بالفرقان، وهذه الكتب كلها منزلة من الله.
والله -جل وعلا- يتكلم بصوت كما أجمع أهل السنة على هذا؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ) )وقال - صلى الله عليه وسلم - والحديث في الصحيحين (( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ) )، وفيه إثبات صفة الكلام لله، حكيت لكم الإجماع عن ابن عبد البر وعن الطلمنكي وغيرهما أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة في باب