والفعلية الاختيارية وهي صفة كمال لله، فعطاؤه كلام وعذابه كلام، قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وقال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} فقد فرق الله -جل وعلا- بين الخلق وبين الأمر وقد احتج بهذه الآية سفيان وأحمد وغيرهما من الأئمة على اثبات صفة الكلام لله -جل وعلا- وإلا لم يكن للمغايرة معنى، فقال: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} فرق الله -جل وعلا- بين الخلق وبين الأمر، فالأمر هو قوله وكلامه، قال تعالى: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، فقوله -جل وعلا-: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هذه إضافة تبليغ، فحين يحكي لك زيد عن عبد الله تقول: حدثني زيد مبلغًا عن عبد الله، فالكلام كلام زيد لكن الأصل لمن؟ لعبد الله؛ لأنه هو الذي قاله مبتدئًا، وزيد مبلغ مؤدٍ، وليس له سوى النقل، فقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هذا مضاف إضافة تبليغ بدليل أن الله جل وعلا كفر من قال عن القرآن الكريم بأنه قول البشر {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} قُتل بمعنى لعن؛ لعنه الله {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} هذا لعنه الله وبين الله كفره لأنه نسب كلام الله إلى قول البشر، فعلم أن القرآن ليس من كلام محمد، وليس من كلام جبريل، وأن الله تكلم بذلك حقيقة.
وتقدم بالأمس اتفاق أهل اللغة والبيان على أن الأفعال إذا أكدت بمصادر لا تحتمل إلا الحقيقة؛ فحين قال الله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} الكلام في هذه الآية باتفاق أهل اللغة والبيان وأهل المعرفة حقيقي وليس فيه شيء من المجاز، وحين ناظر أحدُ أهل السنة أحد علماء الكلام في إثبات صفة الكلام لله -جل وعلا- احتج عليه السني بهذه الآية: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} فنصب الجهمي لفظ الجلالة؛ فجعل موسى هو الذي يتكلم، قال له السني: هب أننا قلنا كما تقول، فما أصنع في قول الله -جل وعلا- {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} فبهت هذا الجهمي.
قوله:"وهو كلام الله"أي الموجود بين الدفتين، والموجود في الصدور - هو كلام الله، حروفه ومعانيه، الحرف من الله؛ هو الذي تكلم الله به، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( فيناديهم