قوله: وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره:
وهذا لا يختلف فيه العلماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لأبلغ كلام ربي ) ). والله عز وجل تكلم بالتوراة، وتكلم بالإنجيل، وتكلم بالزبور، وتكلم بالفرقان - القرآن -، هذه كتب كلها منزَّلة من عند الله جل وعلا، وهي كلام الله حقيقة لا كلام غيره، فإن الكلام إنما يضاف في الحقيقة إلى من قاله مبتدئا؛ لا إلى من قاله مبلغا مؤديا، وسيأتي إن شاء الله توضيح هذه المسألة، والله أعلم.
القرآن هو كلام الله أنزله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، قال:"ولا يجوز إطلاق القول- لا يجوز بمعنى: ويمتنع - ويمتنع شرعًا إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله"
ويسأل كثير من الناس في فتاواهم عن الفرق بين ما لا يجوز وبين ما يحرم، وهذا فيه تفصيل، فالذي يجري علي ألسنة الفقهاء أنه لا تختلف لفظة (لا يجوز) عن لفظة يحرم، والذي يجري على ألسنة النحاة من قولهم (لا يجوز كذا) لا يعنون بذلك التحريم؛ يعنون لا يجوز لغة، فلا يجوز في اللغة أن ترفع المفعول ليس بمعنى أنه حرام أي يثاب فاعله ويعاقب تاركه.
ولفظة (لا يجوز) أعم من لفظة التحريم، فكل محرم لا يجوز وليس كل ما لا يجوز يكون محرمًا، فقوله"لا يطلق القول"أي يمتنع إطلاق القول بأنه"حكاية"كقول الكلابية أو"عبارة"كقول الأشاعرة؛ فإن الأشاعرة يزعمون أن القرآن عبارة عن كلام الله، والكلابية يقولون حكاية عن كلام الله، ويؤول القولان معًا إلى القول بخلق القرآن، وأنه قام على العقل الفعال وعبر عما في نفس الله -جل وعلا.
وقد اتفق العلماء على أن الذي قرؤوه أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك على أن يكون كلام الله على الحقيقة فإن الله -جل وعلا- موصوف بصفة الكلام؛ الذي هو صفته، فيتكلم متى شاء إذا شاء، وصفة الكلام من الصفات الذاتية